الجمعة، 21 يناير 2011

أبو بكر أفندي مبعوث الخلافة العثمانية إلى جنوب أفريقيا

خواطر (1)

 

زرت جنوب القارة الأفريقية أربع مرات ما بين 1978 -1982، في زيارتي الأولى مع الدكتور نعمان السامرائي مبعوثَينِ من سماحة المرحوم عبدالعزيز بن باز، حيث زرنا سيشل، وموريشيوس، وري يونيون، وجنوب أفريقيا، وزيمبابوي (كان اسمها حينئذ روديسيا الجنوبية)، وزامبيا، ومُنِعْنا من زيارة ملاوي؛ حيث كان رئيسها مسيحيًّا متعصبًا يمنع المسلمين - مهما كانت جنسيتهم - من زيارة البلد، كما مُنعنا من زيارة موزمبيق، برغم أن حاكمها كان شيوعيًّا، وجوازات سفرنا عراقية، وكان للعراق علاقات مع الاشتراكيين، وأخَّرونا في زامبيا في المطار أربع ساعات؛ رغم أن رئيسها كان اشتراكيًّا.

كانت أولى زياراتنا لجنوب أفريقيا، لمدينة جوهانسبرغ، وفي معهدها الإسلامي في ضواحي المدينة اطَّلعنا على كتاب مؤلَّف بلغة الأفريكان (هولندي مع أفريقي)، وبالخط العربي، من قِبَل شيخ اسمه "أبو بكر أفندي"، وهذا الكتاب يعتبر من كتب التراث النادرة من أفريكاني بالخط العربي.

لم يغب عن خاطري أبوبكر أفندي، وفي زيارة لي إلى جنيف، ومركزها الإسلامي الذي أسَّسه المرحوم د. سعيد رمضان، قابلت مسؤولَ المركز، وكان تركيًّا، ويحمل شهادة الدكتوراه (وقد توفِّي لاحقًا)، أخبرني هذا المدير أن باحثًا هولنديًّا ترجم كتاب "أبو بكر أفندي" إلى الإنجليزية، فما كان مني إلا أن كتبت للدكتور قاسم السامرائي - الباحث في مدينة ليدن بهولندا - فتكرَّم وأرسل لي نسخة من الكتاب، من المقدمة المطولة للكتاب الملاحظات التالية:
1- حقَّق المؤلف مصدر الكتاب العربي، فإذا هو كتاب فقهي على مذهب الإمام أبي حنيفة، رغم أن "أبو بكر أفندي" شافعيٌّ، وأهل "كيب تاون" الذين أرسل إليهم كانوا – ولايزالون - على المذهب الشافعي.
2- أبو بكر أفندي عالم كردي، من سهول شهرزور في شمال العراق، وهي ممتدة من السليمانية إلى أربيل.
3- حدثت مجاعة في المنطقة قبل مائة وعشرين سنة تقريبًا، فذهب "أبو بكر أفندي" إلى اسطنبول؛ طلبًا للمساعدة.
4- مسلمو "كيب تاون" في أقصى جنوب أفريقيا أصولهم من أندونيسيا وماليزيا، جلبهم الهولنديون قبل 300 سنة منفيين، وأميرهم الشيخ يوسف، وكانوا مزارعين وعمالاً؛ لتطوير المدينة التي كانت قرية.
5- منع الهولنديون مسلمي كيب تاون من بناء مسجد لهم طيلة حكمهم.
6- في أواخر القرن التاسعَ عشرَ جاء الإنجليز، وشنُّوا حملة للاستيلاء على جنوب أفريقيا، وفاوضوا مسلمي "كيب تاون" على أنهم إذا تعاونوا معهم، فسيسمحون لهم ببناء مسجد.
7- حارب المسلمون مع الإنجليز، وانتصروا، وسُمح لهم ببناء أول مسجد هناك، والذي لا يزال يحمل نفس الاسم حتى الآن، وأخذتُ صورة عنده حينما زرت كيب تاون.
8- طلب مسلمو كيب تاون من المعتمد البريطاني أن يستدعي لهم عالمًا شافعيَّ المذهب، وهذا بدوره كتب لرئيس وزراء بريطانيا، الذي طلب من الصدر الأعظم العثماني (رئيس الوزراء) أن يبتعث عالمًا لجنوب أفريقيا يكون شافعيًّا.
9- صادف ذلك وصول "أبو بكر أفندي" الكردي (الأكراد شافعيو المذهب، والأتراك أحناف)، فعرض عليه السفر إلى جنوب أفريقيا، فوافق.
10- الأمر يحتاج إلى تفصيل، وأُلفت هذه التفاصيل بكتب، وهذا ما ذكره المؤلف الهولندي.
11- وكان مما ذكره الهولندي المترجم: أن شقيق "أبو بكر أفندي" كان قنصلًا فخريًّا للسلطان عبدالحميد في سنغافورة، ومن أغرب ما لاحظت أن عبدالرشيد إبراهيم - المسلم الروسي، الذي زار اليابان والصين وكوريا وسنغافورة - ذكر في كتابه "عالم إسلام"، الذي ترجمتُه للعربية (خرج من المطبعة)، ذكر أن قنصلًا فخريًّا سابقًا في سنغافورة كان محبوبًا من قِبل الأهالي على عكس الحالي، ولم يكن يعلم أن هذا القنصل الفخري المحبوب كان شقيقَ "أبو بكر أفندي".

هذا ما حدث لمسلمي كيب تاون، وكان للعثمانيين الدور البارز في نشر الإسلام، وبثّ روح التعاون بين جميع المسلمين في كل أصقاع الأرض، وفي ذلك الزمان، فلابد من أن تنهض الأمة الإسلامية، وتتعاون فيما بينها؛ لتسدَّ الفراغ الذي أحدثه تصدُّع الخلافة،، والله الموفق.

الشيخ ابن باز رحمه الله في جزيرة نيوكالدونيا

"نيوكالدونيا" جزيرة نائية قريبة من أستراليا، خاضعة للحكم الفرنسي، كي تصل إليها تحتاج إلى أكثر من 27 ساعة طيران إذا كنت ستقلع من جدة.

لما دخل الفرنسيون الجزائر هجروا إليها طائفة كبيرة من الجزائريين المسلمين الذين جاهدوهم وقاتلوهم.

ولذلك لا يزال بها إلى اليوم جالية كبيرة جزائرية لا يعرفون عن دينهم ولغتهم إلا القليل.

قليل من سمع بهذه الجزيرة والأقل ممن سمع بها يعلم أن بها هذه الجالية الكبيرة من المهاجرين الجزائريين الذين لا يقل عددهم عن 20000 نسمة.

ولذلك ليس من الغريب أن بعض المسؤولين الجزائريين لم يسمعوا بهذه الجزيرة حتى أوقفهم على أخبارها بعض الدعاة الرحالة ممن زارها أو سمع بها كالسيد علي الكتاني وصديق التاوتي وصالح السامرائي..

والعجب: أن الشيخ ابن باز رحمه الله كان أكثر ثقافة من المسؤولين الجزائريين فسمع بهذه الجزيرة وبأحوال أهلها المسلمين فأوفد إليهم داعية ليعلمهم أمور دينهم.

قال الدكتور صالح مهدي السامرائي وهو يصف رحلته إليهم ويسجل ملاحظاته على هذه الجزيرة وقاطنيها: "كان يتردد عليهم شاب تونسي مبعوث من الشيخ ابن باز رحمه الله، فاستعاد بعض هويتهم الإسلامية". اهـ.

وقريب من هذا - والشيء بالشيء يذكر- أن الشيخ ابن باز كان أوفد بعض الدعاة سنة 75م – ومنهم الشيخ الأرناؤوط- إلى البوسنة والهرسك ليعلموا أهلها أمور دينهم قبل أن يسمع الناس بشيء اسمه البوسنة والهرسك.

فرحم الله الشيخ ابن باز، وأجزل مثوبته، وجزاه خيرا عن أمة الإسلام وعن المسلمين؛ فبحق لقد كان أمة في رجل.

أول ياباني أسلم عام 1891 على يد أول مسلم إنجليزي

عبدالحليم أفندي"،" أوسوتارا نودا"، مراسل جريدة بيجي شيمبون التي تصدر في طوكيو، إنه شاب بين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين من العمر.

فقد كتبت الصحف قبل فترة أن الياباني نودا أسلم، وجرى ختانه، وسمي بعبدالحليم، وفي التحقيق الذي أجريناه عرفنا أن عبدالحليم أفندي دخل الإسلام نتيجة مناظرة، والذي أجرى المناظرة معه هو رئيس المسلمين في ليفربول السيد عبدالله كيليام أفندي، فبينما كان عبدالله كيليام أفندي في إسطنبول، تباحث مع عبدالحليم أفندي حول موافقة الدين الإسلامي للعقل والمنطق، وكان كلامه باللغة الإنجليزية، وسرد له البراهين العقلية، فوجدها عبدالحليم مقبولة، فهداه الله إلى الصراط المستقيم.

هذا الخبر مأخوذ من جريدة "ترجمان الحقيقة"، نسخة 2 حزيزان 1891م، وقد كان الاهتداء يوم 29 مارس (أيار) 1891م يوم الجمعة في المدرسة الحربية في بانغالتي بإسطنبول.

مع الداعية الشيخ نعمة الله (5)

إسلام الشباب الكوريين الأربعة: أبو بكر، عمر، عثمان، علي



بعد أن أدخل الداعية الشيخ نعمة الله عشرين ألف مصحف إلى الصين من شرقها إلى غربها وفي عز الشيوعية في البلد وبموافقة الحكومة الصينية، حيث بقى في إسلام آباد يحاول أقناع السفارة الصينية وقد أفلح في ذلك في عام 1981.

وخلال أقامته في الصين سمع أن ثالث مسجد في كوريا يتم افتتاحه في مدينة كوانجو على بعد ثلاث ساعات بالسيارة عن العاصمة سيئول، قام حيئذ بالضغط على لجام فرسه وتوجه في الحال إلى كوريا التي سبق أن زارها عام 1987 قادماً من أول زيارة لليابان مع الداعية الباكستاني الكبير المرحوم سيد جميل.

ووصل نعمة الله سيئول ونزل في أحد فنادقها الرئيسية مع الوفود القادمة من جميع أنحاء العالم الإسلامي لحضور حفلة إفتتاح هذا المسجد "كوانجو" وبالمناسبة وجه أحد كبار الضيوف سؤالاً إلى نعمة الله: أنت من دعاك؟ وهنا أجابه الشيخ الداعية بعزة المسلم: أنا دعوت كل هؤلاء الوفود.

في أول يوم والوفود لا تزال في العاصمة على أن تتوجه في اليوم التالي لافتتاح المسجد، قام نعمة الله بالأذان في مسجد سيئول الرئيسي وهو على قمة مرتفعه في قلب العاصمة وبعد الصلاة جلس عند بوابة المسجد يفكر والدموع تنهمر على وجهه ويخاطب نفسه: ((لو جاء صحابي واحد إلى هذه البلاد لتوجه إلى ملك البلد ودعاه للإسلام وأدخله فيه وبذا يدعو كل البلد لاعتناق هذا الدين ولكن بتقصيرنا نحن المسلمين حرم هؤلاء من الإسلام. على أية حال أنا جئت على خطى الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - فعسى الله أن يكتب على يدي شيئًا)).

يقول الشيخ نعمة الله:
((وأنا في هذه الحال أقبل لزيارة المسجد أربعة شباب كوريين في عمر الزهور يبدو عليهم أنهم في عمر طلبة الثانوية. مسحت دموعي في الحال وأشرت إليهم أن أقبلوا نحوي. تقدموا مني واشرت لهم بأصبعي على شفتي: قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. ما فهموا قصدي أولاً وكررت فعرفوا أني أريد منهم أن يقولوا الكلمة الطيبة فرددوها معي ثلاث مرات وقلت لهم: "present (هدية) اسم إسلامي: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أعطيتهم أسمائهم واحداً بعد الآخر))

توجد قناعة عند الشيخ نعمة الله أن من يردد كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يصبح مسلماً فهمها أو لم يفهمها، يسمعها فتنور أذنه وعقله وقلبه وتذهب عنه كل مشاكل الدنيا ويسعد في حياته وأخراه.

ثم أشار لهم أن يدخلوا المسجد ويلاقوا المسلمين هناك.

وفي اليوم الثاني والوفود تستعد للخروج لافتتاح المسجد وعلى مائدة أفطار الصباح في الفندق جلس نعمة الله على طاولة مستديرة مع بضعة أعضاء من الوفود وحدثهم أنه لقي أربع شباب وأنطقهم كلمة التوحيد وأعطاهم أسماء، أبو بكر، عمر، عثمان، علي، وهنا بادره أحد الجالسين: ما هذا الكلام؟ أحييت الخلفاء الراشدين؟ أما أنت في الحقيقة صرت مجنوناً، تألم الشيخ من كلامهم وكتم الألم.

رجعت الوفود إلى بلادها بعد ثلاثة أيام وبقي نعمة الله شهر ونصف في كوريا يستقبل الزائرين للمسجد رجالاً ونساءاً ويدخل بطرقته في الإسلام خمسين، ستين سبعين يوميا ويعطيهم أسماء (أحمد، محمد، حسين، عائشة، فاطمة.. الخ).

كان الشيخ نعمة الله يقيم في المدينة المنورة، يعض الأتراك الزائرين للحرم المدني المنور، وفي أحد الأيام وبعد أحدى عشر سنة من زيارته الأخيرة لكوريا وبعد أن أدى صلاة في المسجد النبوي جاءه شاب عليه ملامح سكان الشرق الأقصى وسلم عليه قائلاً: أبي أستاذي نعمة الله، أنا ابنك عمر، من أي البلاد يا عمر؟ سأل الشيخ نعمة الله، وأجاب الشاب: أنا من كوريا أسلمت على يديك قبل أحدى عشر سنة.. سأله الشيخ: قل لي كيف أسلمت؟ كل يوم يسلم على يدي خمسين، ستين أو سبعين.. قال عمر: أول يوم توجهنا للمسجد في سيئول ورأيناك عن بعد تبكي وأشرت لنا أن نأتي نحوك مسحت دموعك، وكنت تؤشر لنا قولوا قولوا لا أله إلا الله، لا نفهم قولوا ولا غيرها ولكن فهمنا أنك تريد منا أن نردد معك هذه الكلمات فرددناها وأسميتنا: أبو بكر، عمر، عثمان، علي..

أنا عمر من بينهم.
كيف جئت يا عمر إلى المدينة؟
بعد أن رددنا كلمة التوحيد دخلنا مسجد سيئول، أكرمنا المسلمون، بدأت أتعلم اللغة العربية ثم جاء وفد من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة يطلبون طلبة للدراسة فيها فقال لهم المسؤولون المسلمون الكوريون إن عمر يصلح لكم، والآن أنا في السنة الرابعة، كلية الدعوة.

قال الشيخ نعمة الله: ما شاء الله، ماشاء الله، أنت والحمد لله نجحت فما هو وضع إخوانك أبو بكر، عثمان، علي.

قال عمر: كلهم والحمد الله محافظون على إسلامهم وصلاتهم وأنا أعمل في الدعوة مثلك.

وأجرت جريدة المدينة مقابلة مع الشيخ نعمة الله، وصور مراسلها الشيخ وهو يحتضن عمر ولعل هذه الوثيقة الوحيدة التي يحتفظ بها نعمة الله عن الآلاف من نشاطاته. وحرصت أنا كاتب هذه السطور أن أجملها وأرتبها وأرفقها مع هذا التقرير لأثبت للقاريء الكريم أن قصص نعمة الله في الدعوة حقيقية لا يعتريها ولو بصيص من الشك، فهو مدرسة أستفدت منها ومن مصاحبتي له للخمسة عشر سنة الماضية في الدعوة، أراه أماماً في الدعوة وصاحب مدرسة متميزة، وطريقته هي طريقة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - هي مبادرة الناس بدعوتهم، صحيح أن العرب كانوا يفهمون المعنى ولكن الأتراك الأوائل والفرس والأفغان والأمازيغ والأندونيسون والأفارقة ماذا كانوا يفهمون من الإسلام؟ تخيلات وعواطف مخلصة.

تزوج الصحابة وتابعيهم وأبناؤهم من الفارسيات والأفغانيات والتركستانيات والقفقاسيات والأمازيغيات يعرفون لغة أباءهم العربية ولغة قوم أمهاتهم فأفهموا هذه الأقوام حقيقة الإسلام وبرز منهم علماء رواد مثل أبو حنيفة والبخاري والترمذي وغيرهم.

المهم أخذ نعمة الله عمر إلى حفلة زواج في أحد بساتين النخيل في المدينة المنورة وقدم نعمة الله عمر إلى المحتفلين وشرح لهم أوضاع المسلمين في كوريا واليابان.

 ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم: 24- 25].

مع الداعية الشيخ نعمة الله (4)

" آخر سكران"[1]



زار الشيخ نعمة الله أوربا أربع مرات، ومن البلدان التي زارها ألمانيا، وكان يعظ في مساجدها، ولا يكتفي بذلك؛ بل يزور الخمّارات، حيث يؤمُّها الكثير من الأتراك والعرب، والناطقين باللغة الأوردية من شبه القارة الهندية الباكستانية، والشيخ يجيد اللغات الثلاث: التركية والعربية والأوردية، ومفاتيح لغات العالم، وقصتنا الآن تدور في مدينة برلين، ومع الأتراك في حدود عام 1979.

وقف الشيخ نعمة الله يتحدث مع الأتراك في أحد مساجدهم لمدة ساعتين أو ثلاث، ووقف بعدها متسائلًا: أين غيركم؟ أجابوه: لماذا تسأل؟ تكلَّم، نحن نستمع لك لساعات، قال الشيخ: أين غيركم لأذهب إليهم؟ أجابوه: في الخمارات، قال الشيخ: سأذهب إليهم، أرسلوا معي دليلاً، وفعلاً ذهب الشيخ نعمة الله مع الدليل إلى خمارة، روّادها أربعون تركيًّا، وقف الشيخ وسْطهم وحيَّاهم قائلاً: السلام عليكم أيها المجاهدون، فبدأ الواحد ينظر إلى الآخر: أين المجاهدون؟!

قال الشيخ: أنتم مجاهدون؛ لثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: تحرُّككم ومشيكم، ورواحكم وغدوُّكم في ألمانيا بأسمائكم الإسلامية: أحمد، خليل، إبراهيم.. الخ؛ كل هذا يذكِّر الناس بالإسلام.
الاعتبار الثاني: جئتم لألمانيا لكسب الرزق الحلال لآبائكم وأبنائكم؛ هذا أيضًا جهاد.
الاعتبار الثالث: لو نظرنا إلى أسلافكم من العثمانيين كانوا مجاهدين؛ فأنتم أحفاد المجاهدين.

ثم أردف الشيخ قائلا: إني قادم من المدينة المنورة وقد أتيت لكم ببشارة من هناك وهي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه من "يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة" وإن الله سبحانه وتعالى يؤجرني بسببكم. وهنا ردد الجميع ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)).

وإني أعظ الناس منذ سنين طويله في المساجد وكان المفروض أن نزوركم ونبلغكم دعوة الأنبياء الذين كانوا يأتون الناس في نواديهم ويدعونهم لدين الحق.

بدأ الجميع بالبكاء والنحيب وهم يرددون: تكلم تكلم ياشيخ، إجلس، اللبن ليس حرام، يقول الشيخ نعمة الله: الجلوس معناه مشاركتهم في الحرام. على أية حال أنتم الآن من أهل الجنة وسأذهب لآخرين أتحدث إليهم.

تكلم تكلم ياشيخ
إلى متى أتكلم، أنتم الآن من أهل جنة الآخرة وإني أدعوكم الآن إلى جنة الدنيا (المسجد)، ثم تساءل: ألم تشاركوا أنتم في التبرع لبناء المسجد المجاور لكم؟  - يقول الشيخ: إن لدي تجربة أن الذين يشربون الخمر هم أكثر سخاءاً في التبرع للمساجد لأنهم يرجون المغفرة من الله-.

ثم قالوا بصوت واحد:
ياشيخ نحن تبرعنا، نحن تبرعنا، ولكن ياشيخ كيف نذهب إلى المسجد ومنا من هو جنب؟

أجاب الشيخ:
الجنب يغتسل في مكان الأغتسال بالمسجد، نعم الماء بارد ولكن كما قلت إنكم مجاهدون والأغتسال بالماء البارد في الشتاء جهاد.
والسكران؟
الثقيل في السكر يحمله إثنان خفيفان.

وبدأ الواحد يشجع الآخر للذهاب إلى المسجد، وهم يرددون:
يا أخوان لنذهب إلى المسجد ألسنا مسلمين؟

وبدأ الشيخ يقود الأربعين رجلاً إلى المسجد منهم من دخل المسجد ومنهم جلس خارجه ينتظر والشيخ يقرأ ويترجم:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا.

ثم قال بعضهم:
ياشيخ أقرباؤنا في خمارات أخرى، تعال ياشيخ نذهب إليهم...

ولقد حكى الشيخ هذه القصة لأحد العلماء الأتراك المجاورين في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
إن لنا أبناء عمومة سمعنا أنهم يرتادون الخمارات فذهبنا إليهم ووبخناهم إلا أنهم غضبوا وتشاجرنا وكادوا يضربوننا وانهزمنا.

ومرت الأعوام وتقادمت الأيام وبعد ثلاث سنوات كان الشيخ نعمة الله جالساً في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا  برجل تركي بعمامة وجبة ولحية يسلم عليه قائلاً:
هل تعرفني ياشيخ نعمة الله؟

أجاب الشيخ: كيف لا أعرفك أنا زرت أكثر مدن تركيا وقراها وربما أنت أحد الأئمة أو المفتين في أحد تلك المدن التي زرتها..

قال الرجل:
أنا أعرفك جيداً وأنت لو تبقى ألف سنة لا تعرفني، أنا آخر سكران في برلين، خرجت من الخماره يحملني إثنان وتوجهنا صوب المسجد، وكنت أنت تشفق علي، فمسحت رأسي وقلت (أنت غالي عند الله يقبلك في بيته)،، كنت ثملاً ولكني عقلت كلامك،، أنتظرت خارج المسجد إلى أن صحوت، إغتسلت وصليت وتبت إلى الله، ومنذ ذلك الحين وأنا أداوم على الصلاة والعبادات وزوجتي تحجبت وجئنا إلى العمرة ووفقنا للقاءك والحمد لله...

إن هذه ليست هي المرة الأولى والأخيرة التي يرتاد فيها الشيخ نعمة الله الخمارات ويخرج منها الناس إلى المساجد ويتوبون توبه نصوحاً، منهم الترك والعرب والناطقين بالأوردية ولقد صار التائبون دعاة ورؤساء جمعيات لبناء المساجد، وإني صالح السامرائي رأيت في اسطنبول وأنقره أحد التائبين في خمارة برلين الآنفة الذكر.

كما كان الشيخ نعمة الله يرتاد موائد الميسر فأخرج روادها إلى المساجد. يقول الشيخ نعمة الله: كنت دائماً أردد قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43] ، لكي لا يمتد بي الشعور بأني أنا المنقذ، إنما هو الله سبحانه وتعالى الهادي.

ومن الطرائف أنه حينما كان يخاطب رواد موائد الميسر كان يقول لهم: فيكم صفة الأنبياء والصحابة والأولياء لأنكم مستيقظون حتى ساعة متأخرة من الليل، وهنا يترك الجميع أوراق الميسر ويصاحب الكثير منهم الشيخ إلى المسجد باكين نادمين، ويردد بعضهم إن أبي علمني قراءة جزء عمّ جميعه..

ــــــــــــــــــــــ
[1] داعية مشهور في اليابان مع سعادة الأستاذ الدكتور صالح السامرائي، منذ حوالي 14 سنة، وزار 50 بلدًا، واهتدى على يديه الآلاف.

مع الداعية الشيخ نعمة الله (3)

روضة البريطانية



على أحد الأرصفة في أحد محطات القطارات في طوكيو وعلى بعد ما يقارب المائة متر رأى الشيخ نعمة الله شبح امرأة متلفعة بملابس بيضاء. اقترب منها فإذا بها ذات ملامح غير يابانية ففاجأها متسائلاً Do you speak English (هل تتحدثين الانجليزية؟)  فأجابت yes I am an English woman (نعم أنا امرأة بريطانية) وهنا بدأ يعرض بضاعته: one gol all problems finished انجليزي مع كلمة عربي gol أي قول، كلمة، "جملة من يقولها تذهب عنه جميع المشاكل".. كلمات إستوحاها الشيخ نعمة الله من قول الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - للعرب: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا..

رددتها الامرأة البريطانية وأعقب ذلك present Islamic name Rawdha أهديك إسماً إسلامياً "روضة"، فرحت، وبعدها سلمها نشرة تعريفية للمركز الإسلامي باليابانية والانجليزية وتركها.

بعد ثلاثة أيام إتصلت روضة بالمركز الإٍسلامي وقالت رأيت شيخاً ظننته مجنون وطلب مني قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وأهدى لي اسمًا إسلاميًا، ثم قالت: بصراحة كنت ولمدة طويلة أعاني من مشاكل كثيرة إلا أني بعد أن رددت هذه الكلمات ذهبت عني جميع هذه المشاكل، أريد أن أرى هذا الشيخ. أخذنا تليفونها واتصلنا بالشيخ نعمة الله الذي كان يذرع جنوب اليابان داعياً إلى الله وقلنا "يا شيخ إن امرأة تريد لقاءك"، واتفقنا على أن يحضر إلى طوكيو بعد ثلاثة أيام وأخبرنا المرأة بذلك.

جاءت الانجليزية متلفعة بملابس بيضاء، من رأسها إلى أخمص قدميها ومعها إمرأة يابانية بنفس الملابس الساترة.

حضر الشيخ وتم تجديد التعارف وأسلمت زميلتها اليابانية..

توطدت العلاقات بين المركز و "روضة" وتبين أنها تجيد سبع لغات يابانية، فرنسية، إسبانية وبرتغالية.. الخ، وتعمل مترجمة وتعيش مع والديها اللذان أسلما على يد الشيخ أيضًا.. وأخيراً زوجها الشيخ نعمة الله من داعية باكستاني.

حافظت روضة على علاقاتها مع الجالية الإسلامية وكانت تخرج مع المسلمين انطلاقا من مختلف المساجد تدعو معهم في سكون الليل، وبعد أن بدأ الكثير من سكان طوكيو يعودون لبيوتهم (اليابانيون شرقيون وطوكيو مضاءة شوارعها ومزدحمة إلى ما بعد منتصف الليل) ومنهم من كان يخرج من الحانات.

في أحدى المرات وفي إحدى مناطق طوكيو المهمة Ikebukuro، خرجت روضة مع مجموعة من الشباب الباكستانيين المسلم يدعون المشاة العائدين إلى بيوتهم، مخترقين حديقة مجاورة. إلتقت روضة بأحدى المغنيات العائدات وهمست بأذنها: عندي أغنية من يرددها ويسمعها تذهب عنه كل المشاكل. بدأت روضة تردد بهدوء هذه الأغنية، حفظتها المغنية اليابانية فبدأت تنادي بصوت مرتفع للمارين في الحديقة "يا ناس أعلمكم أغنية جديدة من يرددها تذهب عنه كل المشاكل.. بدأت مجاميع من الناس تردد معها وبصوت عالي "لا إله إلا الله محمد رسول الله"..

وهكذا اشاع نعمة الله الدعوة المحمدية إلى "لا إله إلا الله" في كل الحالات، يعلمها الناس ويطلب من كل مسلم أن يدعو إلى "لا إله إلا الله" فهي كلمة نور تدخل الأذن وتنزل إلى القلب فتنوره، حتى ولو لم يفهم معناها، ولنا معه مئات بل آلاف التجارب التي ثبتت فعالية هذه الطريقة الرئيسية في الدعوة إلى الله..

مع الداعية الشيخ نعمة الله (2)

دعوة الشيخ نعمة الله



صاحبت الشيخ نعمة الله في ميدان الدعوة في اليابان وغيرها لمدة خمسة عشر سنة واستوعبت طريقته في الدعوة إلى الله وتوصلت إلى:
من بين جميع الدعوات الإصلاحية الدينية في القرنين الماضيين إلى يومنا هذا، فاني أرى دعوة الشيخ نعمة الله هي من أقواها فعالية وأسرعها في النتائج، وأيدت كلماته التي يرددها دائماً وإنه لو قام كل مسلم بواجب الدعوة إلى الله بأي طريقة كانت فانه خلال سنتين سيسود الإسلام جميع بقاع الأرض، الطريقة بسيطة وكل مسلم يستطيع أن يقوم بها، ألم يقل الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بلغوا عني ولو آية؟

إن أساس فلسفة الشيخ في الدعوة هو أن الرسول - صلى عليه وسلم - كان يقول للعرب: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)، لقد بسط الشيخ هذه الكلمة المباركة حيث يقول للناس: كلمتان من يقولهما تذهب عنه جميع المشاكل التي يعاني منها، وينجح في الحياة. ويقول كذلك: إنه من يردد هذه الكلمة: إن كان مسلماً يتجدد إيمانه، ومن كان غير مسلم فانه يدخل الإسلام، حتى وإن لم يفهم معناها، إن الكلمة تنور أذنه وفمه وقلبه. ألا تنزل السكينة والرحمة حين يسمعها السامع وينطقها؟

طور الشيخ وطورنا هذه الطريقة حيث بدأ يقول باللغة الانكليزية (one gol all problems finished)، انجليزي على عربي، (gol) بالعربي (قول)، ولقد أستبدلها بكلمة يابانية (shi awasei no kutuba) فيفهم السامع من هذه الجمل أنه يريد منه أن يردد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

في اعتقاد الشيخ أن من يردد هذه الكلمة فقد دخل الإسلام،، وبعدها يقول له (present Islam Name) نقدم لك هدية أسم إسلامي (أحمد، محمد، فاطمة، عائشة).

من جانبنا طورنا هذه الطريقة، فمثلاً في اجتماع لنا في اليابان حضره أكثر من مئة أستاذ وأستاذة، وقف محدثنا الأستاذ علي الزعبي يتحدث عن الإسلام بيابانية طليقة ويجيب على أسئلة الحضور لمدة ساعتين، إلى هنا كان هذا عملنا في مركزنا الإسلامي في السنين الماضية كما إن هذا هو العمل نفسه تقوم به مراكز ودعاة الدنيا، قد يسلم البعض بعد المحاضرة في الحال أو يسلم بعضهم بعد أسبوع، بعد سنة أو لا يسلم احد منهم نهائياً إلى أن يموت، حيث أن انطباع الأمة الآن أننا يجب أن لا نتسرع في دعوة الناس إلى الإسلام ولا نجرح شعورهم ونصبر عليهم ولو لسنين، ونعطيهم المزيد من الكتب ومزيد من القدوة الحسنة بل لا نقوم بالدعوة إلا أن نصل درجة الصحابة في الإيمان والتقوى. إلا أنه مما تعلمناه من الشيخ نعمة الله لقد قلنا للحضور أنه من يؤمن بوحدانية الله وبنبوة محمد بقلبه ويقولها بلسانه فانه يصبح مسلماً. وهنا أعلن جميع اليابانيين واليابانيات الحضور: كلنا مستعدون لهذا الأمر قام الشيخ نعمة الله يردد بنغم مؤثر "لا إله إلا الله محمد رسول الله" والجميع يردد معه بهذه الأنشودة. فكر الشيخ وقال لو أن الحضور 2 أو 5 أو 10، فإننا  سنعطي أسماً خاصًا لكل رجل وامرأة، إلا أن الحضور أكثر من مئة. شغل الشيخ مخه وقال (all men Muhammad،  all women Fatimah) كل الرجال اسمهم محمد، وكل النساء أسمهن فاطمة، صفق الجميع وأعربوا عن سرورهم.

لقد أسميت طريقة الشيخ نعمة الله "طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة" ولخصتها بكلمتين "الاهتمام والشجاعة"، بالنسبة للاهتمام؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان حريصاً بكل لحظة أن يدعو من تصل إليه يده إلى الإسلام، إن هذا الأمر يحتاج إلى إهتمام كما أنه يحتاج إلى شجاعة وقوة أعصاب، حيث أن العرب في أول أمرهم كانوا يردون دعوة الرسول ويتهكمون به، ورغم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتألم، إلا أنه كان يتحمل الإعراض عن دعوته وأصر على الدعوة إلا أن أحرز النجاح. إن الشيخ نعمة الله لا يوفر لحظة واحدة في أن يدعو أي إنسان سواء كان رئيسا، أو مرؤوساً حاكماً، أو محكوماً تاجراً أو مشترياً، رجلاً أو امرأة، وإن نسبة الاستجابة له 99% وحين يعرض عنه أي إنسان يقول "أجر شهيد".

إن جذور هذه الطريقة في السيرة النبوية معروفة لدى الكثير، ولعلنا نتذكر عيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم- للطفل اليهودي المريض، وعند زيارته له بدأ يحتضر، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، فما كان من والده إلا أن قال للطفل: أطع أبا القاسم، فنطق الطفل قبل وفاته بالشهادتين. وتحضرنا كذلك دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل وشهيد أحد، عثمان بن مظعون رضي الله عنه، يقول عثمان كلما رآني الرسول يقول لي مثلك لا تغيب عنه حقيقة الإسلام، فأسلمت مجاملة. ودخلت الحرم المكي في أحد الأيام ورأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - جالساً بجانب الكعبة ودعاني وقال: أعلمك آية نزلت الآن ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90] فأدركت أن الإسلام دين حق وجددت إيماني.

وفي أحد زياراتنا أنا والشيخ نعمة الله لمدينة الرياض، حدثنا أحد المشايخ قائلاً: أني أتفق معكم بطريقة الدعوة إلى "لا إله إلا الله" وذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أحد العرب إلى قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" فقال هذا العربي هذه الكلمات هي أكره شيء عندي فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - قلها ولو كاره، فلما قالها نور الله قلبه وآمن بالإسلام.

إنني لخصت الإهتمام هو أن يكون لك صديق غير مسلم وأساتذة غير مسلمين وطلبة غير مسلمين وعمال غير مسلمين وزملاء غير مسلمين وزبائن غير مسلمين ومتعاملين معك غير مسلمين، فحينما يكون عندك الإهتمام وتستطيع أن تبلغ الدعوة ستوصل رسالة الإسلام إلى كل هؤلاء.. وهذا الأمر يحتاج إلى شجاعة. بالنسبة لي فقد عشت خمس سنوات في سكن للطلبة في اليابان في الستينات من القرن الماضي. كان جاري طالب فلبيني، أبوه ضابط في رئاسة الجمهورية الفلبينية، كل يوم يقول لي هذا الزميل الفلبيني إن أصولي إسلامية وأسم عائلتي يدل على أن أجدادي كانوا مسلمين، ورغم أني منذ صباي مواظب على الصلاة وفاهم لأحكام الدين الإسلامي وطالب في الدراسات العليا في الجامعة، ومع هذا لم أدعه يوماً إلى الإسلام، وإني أشعر إلى يومنا هذا بالحزن والأسى على ذلك. أساتذتي اليابانيون كانوا يقولون "نحن لا نحب التشدد إلا أن تشدد السامرائي نحبه"، ما قدمت لهم يوماً رسالة الإسلام رغم أنهم كانوا يشاهدونني أصلي في المعمل وفي الحقل حيث إني كنت في كلية الزراعة في جامعة طوكيو. زميلي المسيحي العراقي في الجامعة يقول لي دائماً "علمني الإسلام" فأقول له: أسكت، ظناً مني أنه يستهزأ بي.

يقول الشيخ نعمة الله، إن الأمة جهلت المبادرة في دعوة الآخرين للإسلام، ومن تجربتي معه، فان طريقته كما ذكرنا أعلاه هي الأكثر فعالية، ففي زياراتنا المتتالية لماليزيا أهتدى الكثير من الصينين والمسيحين والهندوك إلى الإسلام بدعوة الشيخ نعمة الله، لدرجة أن الكثير منهم كان يعتب على المسلمين لماذا لم ندعوهم إلى الإسلام إن كان الدخول في الإسلام سهلاً بهذه الطريقة، ولقد حضرنا اجتماعًا في لجماعة  (out reach) أحد فروع جمعية ABIN الشبابية في ماليزيا  والمتخصصة في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وأوضحنا لهم كيف استطعنا خلال اقامتنا شهرين في ماليزيا أن نهدي إلى الإسلام المئات، فقالوا أنكم عملتم خلال الشهرين ما لم نعمله في سنين. وكانت نتيجة سماعهم لتجربتنا أن ازدادوا نشاطاً وأدخلوا الآلاف من غير المسلمين في الإسلام وهذا ما أخبرونا به خلال لقاء وفدهم بنا في اسطنبول بتاريخ 2 /6/ 2010 حيث قالوا أن الآلاف دحلوا في الإسلام من مختلف طبقات المجتمع، أساتذة ومسؤولين ومن عامة الناس.

وفي مقالاتي المتتالية عن الشيخ نعمة الله أمثلة تظهر فعالية الطريقة التي علمنا إياها الشيخ في الدعوة الإسلامية. إن الخير موجود في الأمة والدعاة إلى الله مليء الأرض، ولست بكلامي هذا منتقصاً من أحد والكل على خير، وهذه بضاعة نسوقها للأمة للاستفادة منها ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]..

﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88] وما توفيقي إلا بالله..

مع الداعية الشيخ نعمة الله (1)

من هو الشيخ نعمة الله؟


شيخ تركي الأصل والنشأة، قضى خمسة عشر عاماً مجاوراً في المدينة المنورة، وخمسة عشر سنة في مكة المكرمة إماماً لمسجد النور عند جبل حراء، وقبلها مؤذناً في مسجد السلطان أحمد في اسطنبول أكبر مسجد فيها وإماماً في عدة مساجد.

تتلمذ على الكثير من العلماء المعاصرين للسلطان عبد الحميد رحمه الله. زار أكثر من خمسين بلداً داعية إلى الله، أخرج المئات من رواد الخمارات في أوربا إلى المساجد وأدخل عشرين ألف مصحف في الصين عام 1981، بموافقة الحكومة الصينية، وزار سيبيريا وما حولها في روسيا ثلاث مرات بثوبه الأبيض ودرجة الحرارة أربعين تحت الصفر.

لقد أقام معي في اليابان أربعة عشر عاماً يدور البلد من شماله إلى جنوبه، ينشيء المساجد ويحولها إلى مدارس وأدخل المئات بل الآلاف من اليابانيين في الإسلام بدعوة "لا إله إلا الله". يوزع كراسة التعريف بالإسلام يومياً بالمئات ويحث المسلمين على عمل ذلك. ويستقبل الناس في مركزنا الإسلامي من الصباح إلى المساء، وفي الليل يسيح في مساجد طوكيو العديدة ويأخذ الناس على حسابه بالتاكسيات لصلاة الفجر في مسجد طوكيو المركزي.

سكنه المساجد والمصليات، لا نعطيه راتب ولو قرشاً واحداً. لا يغتاب أحداً ولا ينم على أحد ولا يعادي أحد.

يجمع الأمة الإسلامية كلها، يحبه الجميع ولو كان هؤلاء لا يرتاحون لبعضهم البعض.

ولا يدعو على أحد ودعوته ((اللهم أهد من هو عدو للإسلام وأقلب عداوته إلى نصرة الإسلام مثل سيدنا عمر وخالد وعكرمة)).

يصدق عليه قول المصريين ((رجل ابتاع ربنا)).

وها إني وقد صاحبته السنين العديدة وهضمت طريقته في الدعوة وتعرفت على شخصيته عن قرب أكتب بعض الحلقات عنه آملاً أن تكون في سيرته قدوة للشباب المسلم في كل مكان، راجياً من الله العفو والأجر ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88]، وأن يثيبني عما أكتبه عن هذا الرجل .. والله من وراء القصد.

الشيخ ابن باز رحمه الله في جزيرة نيوكالدونيا

مقال للدكتور السامرائي في مجلة المجتمع العدد1533 بتاريخ 4/1/2003. 
"نيوكالدونيا" جزيرة نائية قريبة من أستراليا، خاضعة للحكم الفرنسي، كي تصل إليها تحتاج إلى أكثر من 27 ساعة طيران إذا كنت ستقلع من جدة.

لما دخل الفرنسيون الجزائر هجروا إليها طائفة كبيرة من الجزائريين المسلمين الذين جاهدوهم وقاتلوهم.

ولذلك لا يزال بها إلى اليوم جالية كبيرة جزائرية لا يعرفون عن دينهم ولغتهم إلا القليل.

قليل من سمع بهذه الجزيرة والأقل ممن سمع بها يعلم أن بها هذه الجالية الكبيرة من المهاجرين الجزائريين الذين لا يقل عددهم عن 20000 نسمة.

ولذلك ليس من الغريب أن بعض المسؤولين الجزائريين لم يسمعوا بهذه الجزيرة حتى أوقفهم على أخبارها بعض الدعاة الرحالة ممن زارها أو سمع بها كالسيد علي الكتاني وصديق التاوتي وصالح السامرائي..

والعجب: أن الشيخ ابن باز رحمه الله كان أكثر ثقافة من المسؤولين الجزائريين فسمع بهذه الجزيرة وبأحوال أهلها المسلمين فأوفد إليهم داعية ليعلمهم أمور دينهم.

قال الدكتور صالح مهدي السامرائي وهو يصف رحلته إليهم ويسجل ملاحظاته على هذه الجزيرة وقاطنيها: "كان يتردد عليهم شاب تونسي مبعوث من الشيخ ابن باز رحمه الله، فاستعاد بعض هويتهم الإسلامية". اهـ.

وقريب من هذا - والشيء بالشيء يذكر- أن الشيخ ابن باز كان أوفد بعض الدعاة سنة 75م – ومنهم الشيخ الأرناؤوط- إلى البوسنة والهرسك ليعلموا أهلها أمور دينهم قبل أن يسمع الناس بشيء اسمه البوسنة والهرسك.

فرحم الله الشيخ ابن باز، وأجزل مثوبته، وجزاه خيرا عن أمة الإسلام وعن المسلمين؛ فبحق لقد كان أمة في رجل.

صفات الفارس الياباني (السامورائي)

سجلَها في حينه ممثلُ المركز الإسلامي سعادة الدكتور موسى محمد عمر في 4/ 3/ 1978م أثناء اجتماع جمعية الشباب المسلم في كانازاوا Kanazawa على بحر اليابان مقابل كوريا، والجمعية كانت تضم مائة شاب ياباني مسلم من تلاميذ المرحوم مصطفى كومورا مساعد المرحوم "عمر ميتا" في ترجمة معاني القرآن الكريم لليابانية، ومؤلف الموسوعة الكبيرة عن تاريخ الإسلام في اليابان، ودرس بعضهم في المملكة العربية السعودية وباكستان وقطر، وهم يتولون الآن مناصب في الجامعات والشركات والأعمال الحرة في جميع أنحاء اليابان، وكلنا - نحن المسلمين في اليابان - مقصرون في الاتصال بهم، والدكتور موسى كان أحد مديري المركز، وهو الآن كذلك، وعمل سفيرًا للسودان في اليابان.

وقد جاءت صفات الفارس الياباني (السامورائي) بأنه:
- لا ينسى المعروف.
- يبتعد عن الخمر والنساء وكثرة الأكل.
- احترام الوالدَينِ وطاعتهما، وعدم إظهار أيِّ امتعاض مهما فعَلا له.
- السامورائي يغسل يديه ورجليه ليلاً وصباحًا، وكذلك يأخذ حمامًا دافئًا، ويحب المحافظة على نظافة جسمه ومظهره.
- صرف النظر عما لا يَعنِيه، وعَدَم التَّحدُّث عنه أو فيه.
- الاهتمام بالتدريب العسكري.
- يَجِبُ عليه عمل الخير، وعمل ما هو مقبول، والابتعاد عن الخطأ والقبيح.
- يكون أمينًا: لا خوفًا من أن يُكتَشَفَ، ولا خَوفًا مِن النَّاس.
- عليه الاهتمام بالدرس والتحصيل، والاستفادة من كل أوقاته.
- العيش بعزة، وعدم إيذاء الآخرين، وعدم العيش عَالَةً عليهم.
- عدم اختيار أصدقاء السوء.

الإسلام في اليابان (13)

الجيل الثاني مشاكله ومستقبله:إنَّ أهمَّ مشكلة تُواجِه المسلمين في اليابان هي أبناء وبنات الجيل الثاني، وأكثرهم من الزواج المشترك أجانب مع يابانيات، وبالمثل مسلمات أجنبيات مع يابانيين مسلمين، وكذلك أبناء المسلمين اليابانيين.

التعليم إجباري وأساسي، والآن لا توجد مدرسة إسلامية واحدة في اليابان، ويوجد الآلاف من الأبناء المسلمين، وإذا لم نهيِّئْ لهم وسيلةً لتَعلِيمِهم الإسلامَ فلا شك أنهم سيذوبون في المجتمع غير الإسلامي.

والذي يحدث أن المسلم الباكستاني أو البنغلادشي يرسل زوجته اليابانية وأولاده إلى بلدانهم للتَّعلُّم، ومع وجود الفروق الاقتصادية والاجتماعية بين اليابان وهذه البلدان، فإن المشاكل تظهر، وقد تؤدي إلى هدم الحياة الزوجية، ولا بد من حل جذري لهذه المشكلة.

إن المركز الإسلامي بصدد إقامة أول مدرسة إسلامية في اليابان، واشترى لذلك أرضًا مجاورة لمسجد طوكيو المركزي، ويعتزم إقامة مدرسة عليها؛ ليكسر حاجز التردد في إقامة المدارس الإسلامية عند المسلمين في اليابان، كما كسر حاجز التردد في بناء المساجد في هذا البلد، إننا إذا اعتنيا بأبناء الجيل الثاني فإن هؤلاء هم الذين سيقدمون الإسلام للشعب الياباني بكفاءة أعلى منا؛ فهم يابانيون، ولغتهم يابانية، وهذان عاملان مهمان، وإننا نتقدم بالشكر والامتنان لسمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود على المساعدة التي قدمتها مؤسَّستُه الخيرية لشراء أرض المدرسة، والشكر والامتنان كذلك للبنك الإسلامي للتنمية على موافقته لدعم ثلث تكاليف بناء المدرسة.
شكر وامتنان:وفي الأخير إننا نتقدم بالشكر والامتنان العميقين للمملكة العربية السعودية لما قدمته وتقدمه لرفع شأن الإسلام والمسلمين في اليابان، إن الكثير من العمل الإسلامي في اليابان هو نبتة مباركة زرعتها المملكة العربية السعودية، كما إننا نشكر دول الخليج الشقيقة لدعم المسلمين في اليابان، وكذلك الدول العربية والإسلامية الأخرى.

وإني بهذه المناسبة أتقدم بالشكر للأساتذة الأكاديميين اليابانيين الذين يهتمون بالثقافة الإسلامية، ويحرصون على تقديمها لأبناء قومهم بحِياد تام، ومن منابعه الأصلية، بعيدًا عن تأثير الغرب، ومن روادهم الحاليين على سبيل المثال لا الحصر: البروفسور إيتاجاكي Itagaki والبروفسورة كاتاكورا Katakura   والبروفسور كوماتسو، والبروفسوران Sugita اللذان يحملان اللقب نفسه في جامعة طوكيو، والبروفسور غوتو Goto وغيرهم كثيرون؛ فتَحيَّةً لهم، وشكرًا.

كما نشكر حكومة اليابان؛ لإعطائها الحرية الكاملة للمسلمين في اليابان، ورعايتها لهم، وحرصها على تعميق التفاهم بين اليابان والعالم الإسلامي، وفي مقدمتهم معالي وزير الخارجية السيد كونو Kono وكذلك البوليس الياباني بمختلف أشكاله ورتبه، وهو أول من يحرص على التعاون مع المسلمين أفرادًا وجماعات، ونحيي كذلك الشعب الياباني الصديق الذي ما إن يسمع كلمة "الإسلام" إلا ويتلقى نشراته وكتبه بكل احترام، ويعبر عن ارتياحه لهذا الدين، إن الدراسات التي تقوم بها الحكومة اليابانية على الأجانب تشير إلى أن المسلمين هم من أهدأ الجاليات وأقلِّها مشاكلَ.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الإسلام في اليابان (12)

مداخلة على ما سبق من مواد:هنا نؤكد مرة أخرى أن الشعب الياباني تتمثَّل به الأخلاق العالية والصفات الكريمة، بل أقول إن الياباني إذا تعرف على الإسلام يجده مطابقًا للمُثل التي يعتنقها مجتمعُه، فينال استحسانه، وإذا أراد الله له الهداية فإنَّه يعتنق هذا الدين الذي أعجب به، وإنَّنا نُرفق وثيقةً تُظهِر الصفات الأصيلة للشَّعب الياباني التي ورثها عن زعمائه الفرسان (السامورائي).

يكتب لنا شخص على البريد الإلكتروني أنَّه درس الإسلام ويريد اعتناقه: هل عليه أن يتعلم الصلاة قبل النطق بالشهادتين، أم يقول الشهادتين ثم يتعلَّم الصلاة؟ وهل الختان لازم؟ وإن كان كذلك: فهل يجب أن يقوم به طبيب مسلم؛ وإلا فهو على استعداد لعمله بأي مستشفى مجاور لمكان تواجده؟ والأخرى تكتب لنا رسالة أنها درست الإسلام استعدادًا لتقديم بحث في جامعتها، فأعجبها الإسلام وتريد أن تدعو طلبة جامعتها إلى الإسلام بطريقة علميَّة، وتقول: إني أعرف أن تحريم الخنزير أمر له علاقة بالصحة، أليس هناك أشياء في الإسلام أثبتها العلم حتى أستطيع بها أن أدعو طلبة جامعتي للإسلام؟

أما محمد داود فقد زار القدس وغزة قبل سنتين: فأحبَّ الإسلام فرجع إلى "كيوتو"، واتصل بالأخت الداعية "زيبا"، وتعلَّم منها الإسلام فأسلم (أقول عن الأخت زيبا كومي: إنَّها تعادل مائة رجل، إن لم يكن ألف)، أمَّا عثمان فهو طالب في السنة الثانية من الجامعة في مدينة "كيوتو" زار تركيا لأسبوع فأحبَّ الإسلام، ورجع وقرأ كتب المركز حيث طلبها من الأخت "زيبا" وأسلم، و"فاطمة ناكسوني" شابة تدرس في "برد فورد" في بريطانيا، كانت مسيحية وصادفت فتاة من أصل باكستاني فأسلمت، وهي تضع النقاب مع أنها في بريطانيا، هكذا كتبت لنا في بريد إلكتروني.

وأخرى كتبت من أمريكا تريد معاني القرآن الكريم في اليابانية، فأرسلنا لها ما تريد، وحينما سألناها عن الجالية الإسلامية في منطقتها قالت: نحن مائة شخص، وأنا المسلمة اليابانية الوحيدة، ونريد بناء مسجد، وذكرَتْ لنا أن لها صفحة إلكترونية خاصة بها، فإذا هي أستاذة للموسيقى في إحدى الجامعات الأمريكية وتعالج بالموسيقى، و"فكتوريا" الروسيَّة كتبت لنا من داخل اليابان تريد بنكًا إسلاميًّا لإيداع نقودها؛ تحاشيًا للربا، فأعطيناها عنوان البنك الوطني الباكستاني، وتحدثت معنا بالتليفون من مدينة لا تبعد كثيرًا عن "طوكيو"، وهي متزوجة من ياباني مسلم، وقلنا لها بعد سبعين سنة من الحكم الشيوعي نرى مسلمة روسية تحرص أن تضع ما تملك في بنك غير ربوي، هذه معجزة الإسلام.

وأرسلنا لها ترجمة معاني القرآن الكريم باليابانية ومنشورات المركز؛ ليقرأها زوجها الياباني، فشكرتنا على ذلك، أما الرسالة التي كتبتها جارة مسجد طوكيو بعد أن دعاها للإسلام الشيخ نعمة الله في صباح ذات يوم قرب مسجد طوكيو، وحينها كان تحت الإنشاء، وأعطاها نشرة ما هو الإسلام، وعليها البريد الإلكتروني للمركز، هذه الرسالة فحواها كالآتي:
نشأتُ وأنا طفلة في بيت مجاور لمسجد طوكيو.
وقد كان منظر قبته الزاهية قبيل غروب الشمس يأخذ بالألباب.
وعندما هدم المسجد انتابَنِي حزن شديد.
وها هو المسجد قد بَدَأَتْ إعادَةُ بنائه، فإنني أشعر بغاية الفرح والسرور.

وقد كتبت السيدة رسالتها على الإنترنت بورق أخضر وهو رمز الجنة عند اليابانيين: ومِثل هذا يحدث يوميًّا لنا في المركز، وفي المعهد العربي الإسلامي، وفي مسجد طوكيو المركزي، ومسجد كوبى، ومع الجمعيات الإسلامية كلها.

إن وجود التَّجمعات الإسلاميَّة العديدة في اليابان، يهيئ فرصة للمسلمين الجدد أن يلتفوا حولها، ويتعلَّموا الحياة الإسلامية منها.

إنَّ المركز الإسلامي في اليابان منارة شامخة للإسلام، يهتدي بها من يريد أن يعرف شيئًا عن الإسلام، ويهتدي بها المسلمون القادمون لليابان، وموقعنا الإلكتروني سهل الوصول إليه، فأي إنسانٍ يضغط زرًّا بسيطًا "إسلام - اليابان" يصل إليه في الحال، وهنا تأتي الأسئلة والطلبات، وهنا تأتي الإجابة السَّريعة، ونحن نحتفظ بكل البريد الإلكتروني الذي وصلنا، وإجماع المرسلين يشكروننا على الاستجابة السريعة.

كتب لنا طالب عربي من سياتل غرب الولايات المتحدة يقول: معنا أعداد من الطلبة اليابانيين يريدون التعرف على الإسلام، ويرجو أن نرسل له كتبًا باللغة اليابانية، وإن طالبة رجعت إلى اليابان وعنوانها كذا، ويرجو أن نرسل لها كتبًا، فما كان منا إلا أن أسرعنا بإرسال مجموعة من الكتب وترجمة معاني القرآن الكريم له، وكذلك للطالبة، فكان تعليقه على ذلك: إنه من بين مليون مسلم يوجد واحد من أمثالكم، ويشكر تجاوبنا السريع معه.

زد على ذلك أن مركزنا يعتبر من أقدم المؤسسات الإسلامية في اليابان، ومعروف لدى الحكومة ووسائل الإعلام، والجامعات والمدارس والجماعات الدينية في اليابان؛ مما جعله مرجعية دينية في اليابان، ونحمد الله العلي القدير أن جعلنا في موضع نتمكن به أن ندعو لدينه القويم، والقيام بفرض الكفاية نيابة عن الأمة الإسلامية، ونشكر كل الذين يقدمون الدعم لنا لتسهيل مهمتنا، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لسيدنا علي: ((لأنْ يهدي الله بك رجلاً خير لك من الدنيا وما فيها، أو خير لك من حمر النعم)).

الإسلام في اليابان (11)

ثالثاً: الطَّلبة المسلمون القادمون من البلدان الإسلاميَّة:
إنَّ أوائل الطَّلبة المسلمين هم من المسلمين الصينين الذين درسوا في جامعة واسيدا عام 1909، وعددهم حوالي الأربعين، وأصدروا مجلة باللغة الصينيَّة "الاستيقاظ الإسلامي"، كما جاء ثلاثة طلاَّبٍ عثمانيِّين إلى جامعة "واسيدا" عام 1911، منهم ابن الرَّحَّالة الدَّاعية "عبدالرشيد إبراهيم"، وأثناء الحرب العالمية الثانية جاءت أعداد من الطَّلبة الإندونيسيين والماليزيين، استشهد منهم عدد في قنبلة هيروشيما، ومنهم من شفي من أثر القنبلة وبقي على قيد الحياة، وقد اجتمعنا بأحدهم قبل سنتين في إندونيسيا، كما درس أبناءُ التتار المهاجرين في الجامعات والمدارس اليابانيَّة، منهم الدكتور "التنباي"، والأستاذ "تميم دار محيط" وحرمه الدكتورة "ثالثة"، و"رمضان صفا"، و"أسعد قربان علي" - متَّعهم الله جميعًا بالصحَّة - وكانوا قد أسَّسوا جمعيَّة خاصَّة بهم في الأربعينيات من القرن العشرين.
أمَّا الأعداد الكبيرة من الطَّلبة المسلمين فقد بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، وفي أواخر الخمسينيات، وهي تتزايد حتى يومنا هذا، إن أكثرهم من الإندونيسيين، ثم الماليزيين، ثم من باكستان وبنغلادش، ثم العرب والترك والإيرانيين والأفارقة، إنَّ هؤلاء مع المسلمين اليابانيين والمسلمين المقيمين شكَّلوا تجمعات مشتركة في كل مدينة يقيمون مصلى مؤجرًا (وبدؤوا بإقامة مساجد ثابتة مملوكة)، يضم مكتبة وثلاجة لبيع اللحم الحلال، إضافة لمكان الصلاة والاجتماعات، وعلى ذكر المصليات كنْتُ دائمًا أتأسف وأقول: كل الأقوام المسلمة من المقيمين في اليابان أقاموا مصليات ومساجدَ إلاَّ قوم الرسول - صلى الله عليه وسلم - من العرب، وأخيرًا أقام الطلبة العرب - وأكثرهم مصريون - أقاموا مصلَّى في منطقة إقامتهم في ضواحي طوكيو "شن ميساتو Shin Misato"، وأدَّى خمسة وعشرون شخصًا منهم ومن الطلبة الآخرين فريضة الحج لعام 1421، إضافة لأعداد كبيرة من الطلبة من الجنسيَّات الأخرى حجَّت هذا العام.
 
 
رابعًا: المتدربون من البلدان الإسلاميَّة:
تأتي اليابان أعدادٌ كبيرة من المتدربين من البلدان الإسلاميَّة لفترة من أسابيع إلى سنة، وهؤلاء لهم احتياجاتهم من التَّعرف على الأطعمة الحلال، ومواقيت الصلاة، كما أنَّ الكثير منهم يتعرَّضون لأسئلة عن الإسلام، وبذلك تأتينا في المركز الإسلامي أسئلة وطلبات بالبريد الإلكتروني والفاكس ننفِّذها في الحال، إنَّ لهؤلاء المتدربين دورًا كبيرًا في التَّعريف بالدين الإسلامي، وإن محض وجودهم كمسلمين يعلم اليابانيين شيئًا عن الإسلام، خصوصًا حينما يتحرَّى هؤلاء المسلمون العيش ضمن تعاليم الإسلام.

 
 
خامسًا: التجار والسيَّاح المسلمون:
العلاقات التجاريَّة بين العالم الإسلامي واليابان قديمة ومستمرة، ويؤم اليابان سنويًّا عددٌ من التجار وكذلك السيَّاح، ولهؤلاء دور في التَّعريف بالإسلام, وعلى هذا فإنَّ مركزنا الإسلامي متخصص في الكتاب الإسلامي باللغة اليابانية، ويزود كافة الجمعيَّات الإسلاميَّة في اليابان، والطلاَّب والمتدربين والتجار والسياح وغيرهم بالمادَّة الإسلاميَّة المقروءة، ويزود المتدربين وحديثي القدوم إلى اليابان بالمعلومات اللاَّزمة عن المساجد، وأوقات الصلاة، والأطعمة الحلال، ومراكز تجمع المسلمين.

الإسلام في اليابان (10)

ثانيًا: المسلمون المهاجرون:
1 - إنَّ طلائع المسلمين المهاجرين إلى اليابان هم من شبه القارة الهنديَّة قبل الاستقلال، جاؤوا لليابان في أواخر القرن التاسع عشر، واشتغلوا بالتجارة، وأقاموا في "طوكيو" و"يوكوهاما" و"كوبي"، وهم الذين بنوا أول مسجد دائم في اليابان، وذلك في مدينة كوبى عام 1935، وصمد هذا المسجد شامخًا برغم قنابل الحرب العالمية الثانية التي حطَّمت كنيسة مجاورة له، وبرغم الزلزال الكبير عام 1995 الذي هدم الكنيسة المجاورة للمرَّة الثانية.


2 - أمَّا الدفعة الثانية من المهاجرين فهم المسلمون التتار أو "أتراك القازان"، الذين لجؤوا إلى اليابان فرارًا من الشيوعيَّة، وجاؤوا في أوائل العشرينيات من القرن الماضي، وعاشوا مع الهنود في "كوبي" وضمَّ الجميعَ مسجدُها، وأقاموا مسجدًا في "ناغويا" (دمَّرته الحرب العالمية الثانية)، وأقاموا مسجدَ طوكيو عام 1938، قائدهم في العمل المرحوم "عبدالحي قربان علي"، ومن بقاياهم حتى الآن الأستاذ تميم دار محيط، متَّعه الله بالصحَّة والعافية، ونستطيع أن نقول: إنَّهم هم أول جالية إسلاميَّة تستقر في اليابان، ولقد هاجر شبابهم إلى تركيا وأوروبا وأمريكا، والقليل منهم موجود الآن في اليابان.


3 - الإندونيسيون والماليزيون هم ثالث جالية تَرِدُ اليابان، وهم الذين حدث خلاف مذهبي بينهم (وهم على مذهب الإمام الشافعي) وبين التتار وهم (أحناف)، مما دفع المرحوم "عبدالحي قربان علي" الإمام التتاري أن يكتب لإمام الحرمين "المعصومي" عن هذا الخلاف، فأجابه المعصومي برسالة "هدية السلطان إلى بلاد اليابان"، وذلك في الثلاثينيات من القرن العشرين، وقد أعيد طبع هذه الرسالة عدة مرات، وهي متداولة الآن.
ولا تزال الجالية الإندونيسية من أكبر الجاليات، ولهم مدرسة ومسجد في طوكيو أدى دورًا كبيرًا حين افتَقَد المسلمون مسجدَ طوكيو.


4 - أمَّا الهجرة الكبرى فهي التي حدثت منذ الثمانينيات، والتي سبق ذكرُها، وتمثل مختلف الجنسيات، والكثير منهم استقر بعد زواجه من اليابانيات، ويوجد اتجاه جديد وهو زواج اليابانيين بعد إسلامهم من المسلمات، وأكثرهن من إندونيسيا، وماليزيا، والفلبين، ومن العربيات المسلمات، ومن آخر الزيجات زواج ياباني بعد إسلامه من مسلمة روسيَّة.

ثالثاً: الطَّلبة المسلمون القادمون من البلدان الإسلاميَّة:
في المادة القادمة بإذن الله تعالى...

الإسلام في اليابان (9)

الوجود الإسلامي الحالي:
إنَّ المسلمين في اليابان - يابانيين ومقيمين - يتواجدون في أقصى جزيرة في شمال اليابان "هوكايدو" إلى أقصى جزيرة صغيرة في جزر "أوكيناوا" جنوبًا قرب "تايوان"، ومن أقصى الشرق "طوكيو" إلى أقصى الغرب "كانازاوا" و"شمياني توتوري"، ويمكن أن نصنِّف المسلمين في اليابان في الفئات التالية:

أولاً: المسلمون اليابانيون:
وهم موزعون كالآتي:
1 - جمعيات خاصة بهم، ومن الأمثلة على ذلك:أ - جمعية مسلمي اليابان:
إن حصيلة الوجود الإسلامي للمسلمين اليابانيين حتى عام 1953 هي جمعيَّة مسلمي اليابان، وهي أول جمعيَّة إسلاميَّة خالصة أسَّسها مسلمُو ما قبل الحرب العالمية الثانية، والذين عادوا بعد إسلامهم في إندونيسا، وماليزيا، والصين، وكذلك من بقي حيًّا من المسلمين الأوائل في اليابان، ولقد سبقتها قبل الحرب جمعيَّاتٌ إسلاميَّة استشرافيَّة، لقد أدَّت هذه الجمعيَّة ولا تزال دورًا كبيرًا في الدَّعوة الإسلاميَّة، ويقوم عليها الآن خريجو الأزهر، وجامعات المدينة المنورة وأم القرى، فهي الجمعيَّة الأم، ويكاد ينحصر نشاطها في طوكيو، ورئيسها الحالي الأستاذ "خالد هيكوجي" Higuchi (أزهري)، ومن أعضائها "يحيى إندو" (الجامعة الإسلاميَّة في المدينة المنورة)، "نور الدين موري" (أم القرى في مكة المكرمة).
ب - الجمعيَّة الإسلاميَّ
ة في "هوكايدو" (عبدالله أراي).ج - جمعيَّة الصَّداقة الإسلاميَّة في "كيوتو" (علي كوباياشي).د - جمعيَّة الدَّعوة الإسلاميَّة في "أوساكا" (عبدالرحيم ياما كوجي).
هـ - الجمعيَّة الإسلاميَّة في نارا (محمد ناكامورا).
و - جمعيَّة المرأة المسلمة - أوساكا وكيوتو (الأخت زيبا كومي).
ز - جمعيَّة الثَّقافة العربيَّة في "طوكيو" (الأخت جميلة تاكاهاشي).
2 - جماعات مندمجة مع جمعيَّات تضم الطَّلبة المسلمين والمسلمين الأجانب المقيمين:
إنَّ هذا الصنف منتشر في جميع أنحاء اليابان، وأعدادهم كبيرة، ومن الأمثلة عليهم الأستاذ "خالد كيبا" (مع المركز الإسلامي، وله جمعيَّة خاصَّة به في طوكيوشيما بجزيرة شكوكو)، البروفسور "عبدالجبار مائدا" (الجمعيَّة الإسلاميَّة في ميازاكي - كيوشو)، والأخ "محمد ساتو" (مع الجمعيَّة الإسلاميَّة في سنداي)، البروفسور "مرتضى كوراساوا" (في جامعة ناغويا، وهو أحد مديري المركز الإسلامي) وإلى غير ذلك من الشَّخصيَّات والأفراد اليابانيين.

3 - أفراد: الواحد منهم يعادل أمة في نشاطه الإسلامي، وهم الأكثرية الساحقة من المسلمين اليابانيين، يديرون أكثر من خمس عشرة صفحة إلكترونيَّة باللغة اليابانيَّة، يدْعون فيها الناس للإسلام، ومثال عليهم:
- "سليمان هاماناكا" في جزيرة شكوكو (له صفحة إلكترونية).
- بروفسور "كوسوجي" في جامعة كيوتو، له صولات وجولات في التلفزيون الوطني الرئيس لليابان NHK، وفي قاعات المحاضرات والمؤتمرات.
- بروفسور "أونامي" (جامعة كيوتو - هندسة) يضع ترجمة معاني القرآن الكريم باليابانية على صفحته الإلكترونية.
- بروفسور "شيرو تاناكا" (متقاعد من جامعة اللغات الأجنبية في كيوتو، وحافظ للقرآن الكريم).
- بروفسور "هشام كورودا" (الجامعة الدولية في نيغاتا، وصاحب المؤلفات العديدة، وتلميذ العالم الراحل المشهور "جعفر إيزيتسو" IZITSU).
- الأستاذ "أشرف ياسوي" (أستاذ اللغة العربيَّة في المعاهد اليابانية).

إنَّ وضع مسلمي اليابان أشبه ما يكون بالعهد المكي، حينما كان المسلمون الجدد أفرادًا متواجدين في مدن وقرى وواحات الجزيرة العربيَّة، كلٌّ يقيم دينَه في محل إقامته، منهم من يخفي إيمانه، ومنهم من يظهره ويؤذَى بسببه، ومنهم من يدعو برغم الإيذاء، إلى أن أذِن الله بالهجرة إلى المدينة المنورة.

ويبرز هنا سؤال: كم عدد المسلمين اليابانيين؟
ونجيب على ذلك بأنه ليس هناك إحصاء لعدد المسلمين اليابانيين، ففي اليابان أكثر من مائةِ جمعيَّةٍ وتجمُّعٍ إسلامي، وعشرات إن لم يكن مئات من المساجد والمصليات، ويدخل يوميًّا عن طريق هذه الجمعيات والمساجد والمصليات عددٌ كبير من اليابانيين الإسلامَ.

كما يسافر سبعة عشر مليون ياباني سنويًّا للسياحة خارج البلاد، فمنهم مَن يُسلم في البلاد الإسلاميَّة، ومنهم من يسلم في أوروبا وأمريكا، حيث تأتي طلباتهم لمركزنا الإسلامي للكتب عن طريق الإنترنت، ونستجيب لهم في الحال، (كتبت لنا مسلمة يابانيَّة من "كوالالمبور" في البريد الإلكتروني أنه يوجد خمسون يابانيًّا ويابانية يرغبون في التَّعرف على الإسلام، وتطلب مدَّهم بالكتاب الإسلامي باللغة اليابانية).

نقول: أحيانًا إن عدد المسلمين اليابانيين يقارب المائة ألف أو يزيدون، والأجانب ثلاثمائة ألف أو يزيدون، وهذه أرقام تقديرية يَنظر إليها المراقبون من زوايا مختلفة، ويعطون أرقامًا متعددة، ولكنه من المؤكد أنَّ المسلمين في اليابان يتزايدون، وأن الشعب الياباني من أقرب شعوب الأرض للإسلام، يحترمون هذا الدين، ويرون فيه تأكيدًا لمُثُلهم وتقاليدهم العريقة.
ثانياً: المسلمون المهاجرون:في المادة القادمة بإذن الله تعالى.

الإسلام في اليابان (8)

الثمانينيات والتسعينيات
وحتى يومنا هذا 1980 - 2001
- في أوائل الثَّمانينيات تبرَّع الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - بأرض من أجل إقامة مقر شامخ للمركز الإسلامي، ورعى الأميران الكريمان نايف بن عبدالعزيز، وأحمد بن عبدالعزيز تشييدَ البناء، وبذلك أصبح المركز الإسلامي معْلمًا إسلاميًّا يقصده الأساتذة والطلبة والصحافيون والتلفزيون وعامَّة الناس، ومنهم من يعلن إسلامه، ومنهم من يستعلم عن الإسلام، ولا يزال هذا المقر يؤدي دوره بتطور وتحسن مستمر.

- وقد زار المركزَ سمو الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود عام 1985، وسمو الأمير أحمد بن عبدالعزيز آل سعود عام 1986، وقدَّما الدَّعم المادي والأدبي لنشاطاته - فجزاهما الله كلَّ الخير.

- إنَّ أكبر تطور في تاريخ الوجود الإسلامي في اليابان بدأ من أواسط الثمانينيات حتَّى الآن، ألا وهو هجرة أعداد كبيرة من المسلمين إلى اليابان بعد أول هجرة للمسلمين التتار، إنَّ أكثرهم من إندونيسيا، وباكستان، وبنغلاديش، والهند، وسريلانكا، وإيران، وأفغانستان، ثمَّ من الأفارقة والأتراك ويليهم العرب، لقد جاء الجميع إلى اليابان طلبًا للرزق، فتزوَّجوا اليابانيَّات بعد إسلامهن، وحصلوا على الإقامة الدَّائمة، ومنهم من حصل على الجنسيَّة، وأبناؤهم يابانيون بالولادة فأبناء اليابانيَّة هم يابانيون.

لقد بنى هؤلاء المساجد والمصليات وأقاموا محلاَّت بيع المواد الغذائيَّة الحلال، وفتحوا مطاعم الحلال، وعمَّروا المساجد بالصلاة، وأصبحت مقراتهم ومساجدهم محلاَّتِ لقاءٍ وتربيةٍ للمسلمين الجدد من اليابانيين.

- في عام 1986 هدم مسجد طوكيو وسط دموع المسلمين، وكان الهدف هو إعادة بنائه في الموقع نفسه، إلاَّ أنَّ صعوباتٍ جمَّةً وعراقيلَ وضِعت أمام ذلك، وبعد جهود متواصلة من قِبَل المركز الإسلامي، ومن قِبل المحبين للإسلام في داخل تركيا الشَّقيقة وخارجها، أُعِيد بناء المسجد في وسط عام 2000 صرحًا شامخًا جميلاً، وعلى الطراز العثماني، وأصبح مقصدًا لجميع اليابانيين، يزورونه ويتعرَّفون على الإسلام بواسطته، وقد أشرفت رئاسة الشؤون الدينيَّة في تركيا على البناء تقريبًا، وقام المسلمون في اليابان وخارجها بجمع ثلث كلفة البناء تقريبًا، تولَّى مركزنا الإسلامي جمع أكثرها، وتتولَّى رئاسة الشؤون الدينيَّة مأجورة إدارة المسجد إمامًا ومؤَذنًا.

- كما تمَّ بناء ملحق بمسجد "كوبي" العريق يتخذ مركزًا إسلاميًّا ثقافيًّا في جنوب غرب اليابان، وتولى أكثرَ الصَّرف على بنائه عائلةُ الدبس، وممثلهم في "كوبي" الأستاذ "فؤاد الدبس"، وهو صرح إسلامي آخر في ذلك الجزء من اليابان يؤدي دوره الإسلامي بكل كفاءة.

- وفي "ناغويا" تمَّ بناء مسجد جميل، عوَّض الله به عن المسجد القديم الذي دمَّرته قنابل الحرب العالميَّة الثَّانية، وتولَّى تأسيسَه التاجر الباكستاني المفضال الأستاذ "عبدالوهاب قريشي"، وافتتحه معالي الدكتور "صالح بن عبدالله بن حميد" رئيس إدارة الحرمين الشَّريفين، وأصبح هذا المسجد ملتقى لمسلمِي المنطقةِ على سعتها للعبادة والتَّعلم، وأقام هذا الأخ مدرسةً قريبة منه؛ لتعليم أولاد المسلمين، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

- أمَّا الإخوة الباكستانيون، والبنغلادشيون، والأفارقة، فمساجدهم لا تُعَد ولا تُحْصَى، فمن مسجد "إيجي نيواري" الذي بناه أهل التَّبليغ وسلسلة مساجدهم الأخرى، إلى مساجد الحلقة الإسلاميَّة من أتباع الجماعة الإسلاميَّة في باكستان، ومسجد "أوتسوكا" الذي حظي بتبَرُّعٍ كريم من صاحب السمو الأمير سلطان بن عبدالعزيز آل سعود، وافتتحه فضيلة الدكتور عمر بن عبدالله السبيل إمام الحرم المكي الشَّريف، ومسجد "تودا" الذي كان مصنعًا، ومسجد "إيساساكي"، ومسجد الإخوة الأفارقة وغيرها، ولدى المركز قائمة بكل مساجد اليابان سيتولى طبع عناوينها وخرائطها، إن شاء الله، كما حظي الإخوة في جمعية مسلمي اليابان بتبرع كريم من سمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز مكَّنهم من شراء مقرٍّ جديد لهم.

- إنَّ هدم مسجد طوكيو في عام 1986 حدث باطنه الرَّحمة، وظاهره العذاب، فرغم الحزن الذي عمَّ المسلمين والحيرة والتَّفرق بعد أن كان يجمعهم هذا المسجد، هيَّأ الله سبحانه وتعالى بدائلَ وشجع المسلمين الذين تزايدت أعدادهم على إقامة المساجد والمصليات، وكان أول بديل هو المعهد العربي الإسلامي بمقره القديم والجديد؛ حيث قام بالدَّور الرئيس في استيعاب المصلين في الأوقات الخمسة والأعياد، فجزى الله القائمين عليه خير الجزاء، كما أنَّ الإخوة الإندونيسيين استوعبوا أعدادًا كبيرة منَ المُصَلِّين في مُصَلَّى سفارتهم ومصلى مدرستهم، وكذلك الإخوة في سفارتي إيران وماليزيا، إنَّ جماعة الدَّعوة والتَّبليغ هم أول من كسر حاجز إقامة مساجد جديدة، وأعقبهم بقيَّة المسلمين في شراء وتأجير المصليات، والمركز الإسلامي يتحمَّل نصف أجرة المصليات في المناطق التي يتواجد فيها الطلبة، ويقل فيها التجار المسلمون، وذلك من أقصى شمال اليابان إلى جنوبه، ومن أحدث المساجد التي أقامها المسلمون مسجدٌ في مدينة "إيبينا" Ebina، في محافظة Kanagawa التي تعتبر "يوكوهاما" مَركَزَها، ولا تبعد كثيرًا عن طوكيو، إنَّ المسجد كلف مليون دولار، ولم يجمع المسلمون قرشًا خارج محافظتهم.

أمَّا آخر صرح للدَّعوة الإسلاميَّة فهو المسجد الذي تبرَّع ببنائه مأجورًا سمو الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - في منطقة "هاجي أوجي" Hachioji، في ضواحي طوكيو، وهو إضافة في سلسلة قافلة الخير التي تقودها وتدعمها المملكة العربيَّة السعوديَّة ملكًا وحكومة وشعبًا، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

- ومن الأحداث المهمَّة في هذه الفترة ندوة "العلاقات بين اليابان والعالم الإسلامي، ومائة عام من تاريخ الإسلام في اليابان"، التي أقامها المركز الإسلامي في اليابان بالتَّعاون مع منظمة المؤتمر الإسلامي ومقرها في جدة، وذلك في شهر مايو عام 2000 بدعم سخيٍّ من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - أيَّده الله - ومن رابطة العالم الإسلامي والبنك الإسلامي للتَّنمية، والنَّدوة العالميَّة للشباب الإسلامي، والهيئة الخيريَّة الإسلاميَّة العالميَّة في الكويت، حيث حضر النَّدوة حوالي سبعين ممثلاً للمسلمين من الدول المجاورة وذات الاهتمام، وعلى رأسهم معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ وزير الشؤون الإسلاميَّة والأوقاف والدَّعوة والإرشاد في المملكة، وحضرها جمع غفير من المثقَّفين اليابانيين، وألقى كبار الأساتذة اليابانيين المسلمين وغير المسلمين أبحاثًا قيمة؛ وكذلك أُلقِيت كلمات وأبحاث من الوُفود بما فيهم مندوب وزير الخارجيَّة الياباني؛ كما حضرها وتعاون في إنجاحها مندوبون من مختلف الجمعيَّات الإسلاميَّة داخل طوكيو وخارجها، واستمرَّت النَّدوة ثلاثة أيام، أبرزت الوجود الإسلامي، ورحب المسؤولون اليابانيون وخصوصًا في الخارجيَّة اليابانيَّة بهذا النشاط، وطالبوا بتكراره لتعميق الصلات بين اليابان والعالم الإسلامي.

- كما شهدت هذه الفترة إقامة مخيمات سنويَّة نظَّمها المركز الإسلامي بالتَّعاون مع النَّدوة العالميَّة للشَّباب الإسلامي، وبدعم من سمو الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز مادي وأدبي بحضور مستشار سموه فضيلة الشيخ الدكتور سعد بن عبدالله البريك، الذي أضفى على هذه المخيَّمات حياة في مجال العقيدة والعلم والتَّوجيه.

- كما كان لفضيلة الشيخ سعد البريك دورٌ كبيرٌ أثناء انعقاد المخيمات في إحياء مجلس التَّنسيق بين الجمعيَّات الإسلاميَّة الذي كان نشيطًا للعشرين سنة الماضية، وتوقف نشاطه بوفاة منسقه العام البروفسور "عبدالكريم سايتو" - رحمه الله - فقد وقع أثناء هذه المخيَّمات ثلاثمائة وخمسون مندوبًا مسلمًا من جميع أنحاء اليابان على إحياء هذا المجلس، وانتخاب الأستاذ "خالد كيبا" العالم الياباني المعروف، وعضو المجلس التَّأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، ومدير الشؤون المالية في المركز الإسلامي - منسقًا عامًّا لمجلس التَّنسيق.

- لقد والى المركز الإسلامي إيفاد بعثات المجتمع، ومنها إشرافه على أكبر بعثة حج لثلاثة وأربعين مسلمًا يابانيًّا ومسلمة، وقدَّموا من خالص أموالهم، وكانوا بقيادة الدَّاعية الياباني الحاج محمد ساوادا، وأرسل المركز معهم للإرشاد الشيخ نعمة الله، والأستاذ عبدالرحمن صديقي، كما ساهم المركز بدور كبير في إعداد تجمع ضخم للحج من اليابانيين عام 1420 بدعوة كريمة من خادم الحرمين الشَّريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، وإن آخر بعثة نظَّمها المركز للحج عام 1421 وهي بدعم سخي واستضافة كاملة من سمو الأمير عبدالعزيز بن فهد بن عبدالعزيز، فجزى الله الجميع خير الجزاء، وأخلف عليهم بالخير.

- إنَّ من أكبر هموم المسلمين في اليابان دفنَ مَوتاهُم، خصوصًا بعد أن أصبح وجودهم كثيفًا، سواء كانوا يابانيين أو أجانبَ مقيمين، إن كلفة الحصول على قبر في المقبرة الحالية "إينزان"، التي أصبحت تحت إشراف إخواننا بجمعية مسلمي اليابان تبلغ أكثر من مليون ين، (أكثر من عشرة آلاف دولار)، لهذا فقد حرص المسلمون على شراء أرض في إحدى المحافظات المجاورة لطوكيو يدفن بها موتى المسلمين مجانًا، وبدؤوا بمحاولة لجمع تبرعات من الجالية، وهنا جاءهم العون، فقد امتدت يد كريمة لترعى مشروعهم، وهي يد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله - حيث قدَّم تبرعًا كريمًا مقداره سبعمائة ألف دولار لشراء أرض للمقبرة، إنَّ لَجْنَةَ المقبرة ورئيسَها الأستاذ "ميان أفتاب" التاجر الباكستاني في "يوكوهاما" وهو من كرام الناس، ومن جملة التجار المسلمين الذين يبذلون الكثير في المشاريع الإسلاميَّة، هذه اللجنة طلبت أن تسجل أرض المقبرة باسم المركز الإسلامي؛ لأنه يكاد يكون الهيئة الدينيَّة الرئيسة الوحيدة المسجلة رسميًّا لدى الحكومة اليابانيَّة، لأنَّ الهيئة الدينيَّة الرَّسميَّة هي التي من حقها أن تطلب إقامة مقبرة، وقد لبَّى المركز الأمر، ويسعى سويًّا مع اللجنة لاستكمال امتلاك أرض المقبرة.

الإسلام في اليابان (7)

في السبعينيات 1970 - 1980

- في عام 1970 زار المرحوم الملك فيصل بن عبدالعزيز - طيَّب الله ثراه - اليابان، والتقى بوفد من المسلمين في اليابان، ومعهم وفد من مسلمي كوريا، وتقدَّم الدكتور عبدالباسط السباعي رئيس جمعية الطلبة المسلمين في اليابان في ذلك الحين بطلب للملك فيصل؛ يرجو ابتعاث الدكتور صالح السامرائي، الأستاذ بجامعة الرياض؛ ليساعد في الدَّعوة الإسلاميَّة في اليابان، فاستجاب - رحمه الله - لهذا الطَّلب في عام 1973، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

- رعى المرحوم الملك فيصل أول ترجمة يقوم بها مسلم لمعاني القرآن الكريم لليابانيَّة التي قام بها المرحوم "عمر ميتا"، ورصد لها الأموال في سفارة المملكة بطوكيو لتصرف كلَّما نفذت الطَّبعة، وذكر المرحوم "عمر ميتا" في المقدمة أنَّ السيد أحمد سوزوكي، والدكتور صالح السامرائي ساعداه في المراجعة الأخيرة بالرياض صيف 1970.

- في السَّنتين الأُولَيَيْنِ استمرَّ "سيد جميل" يقود العمل الإسلامي في اليابان وكوريا.

- في عام 1973 أرسل الملكُ فيصل بن عبدالعزيز آل سعود - رحمه الله - كاتبَ هذه السطور للدَّعوة الإسلاميَّة في اليابان ومعه ستة آخرين: "خالد كيبا" (ياباني)، و"أسعد قربان علي" (ابن مؤسس مسجد طوكيو المرحوم عبدالحي قربان علي)، و"عبدالباسط السباعي" (مصري)، و"علي الزعبي" (سوري)، و"عبدالرحمن صديقي" (باكستاني)، و"موسى محمد عمر" (سوداني) وهم مِمَّن درس في جامعات اليابان، ولهم سابقة بالعمل الإسلامي فيها، أسس هذا الفريقُ أوَّلَ مركز إسلامي متكامِل في اليابان بالتَّعاون مع آخرين يابانيين ومقيمين؛ من أمثال "عمر ميتا" مترجم معاني القرآن الكريم لليابانيَّة، و"عبدالكريم سايتو"، و"مصطفى كومورا"، و"تميم دار محيط"، و"عبدالمنير واطانابا"، و"عمر دراز خان"، و"علي حسن السمني"، و"مطلوب علي"، و"عينان صفا"، ولا ننسى دور الشيخ "حسن بن عبدالله آل الشيخ" - رحمه الله - فقد كان السَّاعد الأيمن للمرحوم الملك فيصل في هذا الأمر، ووالى دعم نشاط المركز الإسلامي والدَّعوة الإسلاميَّة في اليابان، وكذلك جهود المرحوم "الشيخ عبدالعزيز بن باز" (هذان الرجلان عملاقان في الدَّعوة الإسلاميَّة على المستوى العالمي، وقلَّ مَن يدانيهما في هذا المستوى، فعليهم من الله الرَّحمة، وأجزل لهما الأجر ولكل من يعمل للإسلام).

- جاء تشكيل المركز الإسلامي باليابان في فترة هامَّة مرَّت بها اليابان، وهي أزمة البترول لعام 1973 وما بعدها، فبدأ اليابانيون يهتمون بالإسلام، حيث إن أكثر الدول المصدرة للبترول - إن لم تكن جميعها - هي دول إسلاميَّة، وكان تأسيس هذا المركز تحقيقًا لحلم كل من اهتم بالدعوة الإسلاميَّة في اليابان منذ مائة عام؛ حيث إنَّ كل من قرأنا لكتاباتهم من الذين زاروا اليابان، وعملوا في الدعوة؛ من أمثال "عبدالرشيد إبراهيم"، و"بركة الله"، و"نور الحسن برلاس" وغيرهم، كانوا يتمنون إقامة مركز إسلامي يقوم بالدَّعوة ويعمل به يابانيون ومن لهم معرفة باللغة اليابانيَّة، ويصدر كتبًا باللغة اليابانيَّة، ويقدِّم الإسلام للشَّعب الياباني.

1 - بدأ يفد إلى المركز الإسلامي الآحاد والعشرات؛ بل المئات من اليابانيين، ودخلوا في الإسلام أفواجًا.

2 - قام المركز بإصدار أعداد كبيرة من الكتب والكتيبات عن الإسلام باللغة اليابانيَّة، وأصدر مجلة السَّلام باللغة اليابانيَّة.

3 - غطى البلاد من أقصى الشمال إلى الجنوب بالنَّشاط الدعوي، ووصل الإسلام لأول مرة جزيرة "هوكايدو" في أقصى الشمال، وفتح الفروع في مدن عدَّة.

4 - أرسل الطلبة إلى المملكة العربيَّة السعوديَّة ومصر للدراسات الإسلاميَّة.

5 - أسَّس أول مجلس للتَّنسيق بين الجمعيَّات الإسلاميَّة، وعددها حينذاك اثنا عشر، تضم التَّجمعات الإسلاميَّة اليابانيَّة في عدَّة مدن، والجالية الإندونيسيَّة، وجمعيَّة الطَّلبة المسلمين، وذلك في عام 1976.

6 - كما عملت في عام 1977 أول ندوة عن الشَّريعة الإسلاميَّة، أقامها المركز بالتَّعاون مع رابطة العالم الإسلامي، وجامعة شو أو CHUO، وكان محركها الأستاذ "خالد كيبا"، وحضرها عم الإمبراطور الحالي، وأعضاء المحكمة العليا، وثلاثمائة من أئمَّة القانون في اليابان، وحضرها المرحوم "محمد علي الحركان" أمين عام رابطة العالم الإسلامي، واستمرَّت ثلاثة أيام، ونشرت وقائعها باللغات: العربيَّة واليابانيَّة والإنجليزيَّة، وكان من نتائج هذه النَّدوة أن عملت دراسات مستمرَّة حتى يومنا هذا عن الشَّريعة الإسلاميَّة في اليابان.

7 - كما عقدت ندوات ثقافيَّة حضرها الآلاف في "طوكيو" والمدن الأخرى، برعاية كبريات الصحف اليابانيَّة التي تصدر الملايين لكل صحيفة، بالتَّعاون بين المركز الإسلامي وجامعة الرياض؛ حيث حضرها معالي الدكتور "عبدالعزيز الفدا"، وسعادة الدكتور "توفيق الشاوي"، متَّعهما الله بالصحَّة والعافية.

8 - نظم عدَّة رحلات إلى الحج أوَّلها عام 1976، واستمرَّت سنويًّا بدعم سخي من سمو الأمير أحمد بن عبدالعزيز آل سعود نائب وزير الدَّاخليَّة، واستضافة كريمة من رابطة العالم الإسلامي، فجزاهم الله خير الجزاء، وأخلف عليهم.

9 - وفي زيارة للمركز قام بها معالي المرحوم حسن آل الشيخ عام 1975، طلب المركز من معاليه إقامة معهد عربي إسلامي في طوكيو؛ ليكون مرجعيَّة إسلاميَّة في اليابان، ويعلِّم اللغة العربيَّة والثَّقافة الإسلاميَّة للشَّعب الياباني، فأحال الأمر إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميَّة، وتولَّى معالي الدكتور "عبدالله بن عبدالمحسن التركي" - حفظه الله - المهمَّة، فأنشأ هذا الصَّرح الشَّامخ، ونهل آلاف اليابانيين منه الثَّقافةَ الإسلاميَّة واللغة العربيَّة وأسلم العديد، كما تنازل سمو الأمير سعود الفيصل عن مقر سفارة خادم الحرمين الشَّريفين في طوكيو وأرضها ليبني عليها صرحًا جديدًا، تولى خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود - حفظه الله، ومتَّعه بوافر الصحَّة والعافية - دعمَ البناء الحالي بعشرة ملايين دولار، وجهَّزه ومَوَّلَ تسييره بأكثر من مليون دولار.

وإنَّني هنا أقف موقف المؤرخ وليس المدَّاح، أرصد الحقائق من أجل أن يدعو المسلمون في كل مكان وعلى مر الأجيال للعاملين في حقل الدَّعوة الإسلاميَّة في اليابان والدَّاعمين لها.

10 - كنا نعد المسلمين اليابانيين قبل هذه الفترة ما بين ألف إلى ثلاثة آلاف، وبدأنا فيها نعد المسلمين بعشرات الآلاف، وانتشر الوعي الإسلامي لدى الشَّعب الياباني، فبعد أن كان الدين الإسلامي يدعى "كاي كيو" Kai Kyo، أصبح يدعى "إسرام" Isram، لعدم وجود حرف اللام باللغة اليابانيَّة ويستبدلون بها الراء.

- في آخر هذه الفترة رجع الدَّاعية المرحوم "سيد جميل" ثانية إلى اليابان، وأدَّى آخر أعماله الجليلة في المنطقة، ورافقه فيها عملاق آخر هو الشَّيخ "نعمة الله" الذي لا يزال في قمَّة النَّشاط الدَّعوي في اليابان حتَّى يومنا هذا.

- كان الدَّعم الرَّئيس المادي والأدبي والثقافي للنشاطات الإسلاميَّة في اليابان خلال هذه المرحلة والمراحل التي بعدها - يأتي أولاً من المملكة العربيَّة السعوديَّة حكومة وشعبًا، ومن رابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، كما كان الدَّعم يأتي من دولة قطر، ودولة الإمارات العربيَّة المتحدة، والكويت، وسلطنة عمان، وكذلك من جمهورية مصر العربيَّة ممثلة في أزهرها العتيد، وليبيا بالدعاة الذين أرسلتهم، وهنا نذكر الأستاذ "حمد الهاجري" أول سفير لدولة قطر الشَّقيقة في اليابان؛ حيث قدَّم لنا أوَّل دعم مادي في أول مرحلة من تأسيس المركز، والمرحوم الشيخ "عبدالله الأنصاري" رئيس المحاكم الشَّرعية في قطر، وكذلك المرحوم "عبدالعزيز المبارك" رئيس المحاكم الشَّرعية في الإمارات العربيَّة المتَّحدة، والمرحوم "عبدالله المحمود" في الشَّارقة لدعمِهم النَّشاطاتِ الإسلاميَّةَ في اليابان.

الإسلام في اليابان (6)

الستينيات 1960 - 1970
- وصل اليابان الطلاَّب المسلمون الأجانب: باكستانيون، عرب (ومنهم كاتب هذه السطور)، أتراك، وأعداد كبيرة من إندونيسيا، وشكَّلْنَا أول جمعيَّة للطَّلبة المسلمين في اليابان في أوائل عام 1961، ومن إدارتها د. زحل من إندونيسيا (الآن بروفسور في جامعة جاكرتا الوطنية ووزير سابق، وجمع لنا مبلغًا محترمًا للمساعدة في إعادة بناء مسجد طوكيو المركزي)، "مظفر أوزي" (تركي)، "أحمد سوزوكي" (ياباني أزهري يمثل الجيل الثاني؛ حيث إن والده مسلم وخاله مسلم)، و"عبدالرحمن صديقي" (باكستاني)، و"صالح السامرائي" (عربي).

- شكل الطَّلبة المسلمون مجلسًا مشتركًا للدَّعوة مع جمعيَّة مسلمي اليابان، "عمر ميتا"، "عبدالمنير واطانابا"، و"عبدالكريم سايتو" من الجانب الياباني، و"عبدالرحمن صديقي"، و"مظفر أوزي"، و"صالح السَّامرائي" من جانب الطَّلبة، ومن النَّشاطات التي قام بها المجلس:

1 - أصدر كتيبات عن الإسلام من تأليف "عمر ميتا"، وترجم ونشر كتاب "ما هو الإسلام؟" للمودودي.

2 - ساعد الأخ "فاروق ناغاسي" بإصدار جريدة صوت الإسلام في اليابان.

3 - أرسل الشباب اليابانيين للدراسة في الأزهر، وقبل إرسالهم عمل لهم دورات مكثفة.

4 - والى شؤون الدَّعوة في أنحاء اليابان بعد أن انقطع أهل التَّبليغ.

5 - اشترى المجلس أول مقبرة للمسلمين في "إينزان" بتبرع من المملكة العربيَّة السعوديَّة والكويت، ومن خالص أموال المرحوم "عبدالكريم سايتو" (سجلت المقبرة فيما بعد باسم جمعيَّة مسلمي اليابان، وعلى أساسها حصلت الجمعيَّة على التَّسجيل الرَّسمي في محافظة "ياماناشي" المجاورة لطوكيو).

6 - قدم المجلسُ البروفسور "عبدالكريم سايتو" للعالم الإسلامي، فأولُ ما زار العراق، ثم مصر، ثم المملكة العربية السعوديَّة، وبعدها الكثير من البلدان الإسلاميَّة.

7 - فتح المجلس أول مركز إسلامي في "طوكوشيما" بجزيرة شكوكو عام 1965، ولم يستمر إلا سنة واحدة.

8 - فتح أوَّل مركز إسلامي في "طوكيو" عام 1965 بدعم من أول سفير لدولة الكويت الشقيقة (الأستاذ الصنيع، وعلمت أنه ذهب إلى ربه، رحمه الله رحمة واسعة) واستمرَّ المركز سنة تقريبًا، وأغلق لأنَّ السَّفير انتقل من اليابان وانقطع الدَّعم.

- سعادة الأستاذ المنقور سفير المملكة العربيَّة السعوديَّة في طوكيو، ومعه الأستاذ محمد بشير كردي - متعهما الله بوافر الصحَّة والعافية - والأستاذ صلاح الحسيني - يرحمه الله - (وهو نجل المرحوم حاج أمين الحسيني مُفْتِي فلسطين) في سفارة المملكة بـ"طوكيو"، كانوا يدعمون نشاطنا، والأستاذ المنقور كان يدفع لنا في كل مناسبة مبلغًا محترمًا للقيام بالنشاطات المختلفة.

- الإخوة الإندونيسيون كان لهم مقر ضخم في قلب "طوكيو" وقُرْبَ مسجدها المركزي، وكنَّا نحيي فيه المناسبات الإسلاميَّة وخصوصًا عيد الفطر المبارك، حيث يعملون حفلة ضخمة فيها لذيذ الطعام، يسمونها "الحلال بالحلال"، يأتيها المسلمون وكبار المسؤولين اليابانيين، وحتى أعضاء البرلمان، فكانت تظاهرة إسلاميَّة كبيرة.

- في الثلث الأخير من هذه الفترة، وبعد أن عاد أكثر الطلبة إلى بلدانهم، وقلَّ نشاطهم، جاء إلى اليابان عملاق آخر، وداعية قل نظيره، هو "سيد جميل" المحاسب القانوني الأوَّل في حكومة باكستان Chief Accountant، ورئيس جمعيَّة تحفيظ القرآن الكريم بـ"كراجي"، لقد تابع ما بدأ به الآخرون ووسع، كما نشر بعض الرَّسائل باللغة اليابانيَّة، وشمل نشاطه كوريا أيضًا.

- وجاء إلى اليابان أستاذ مصري قدير هو المرحوم علي حسن السمني؛ حيث علَّم اللغة العربيَّة في جامعة اللغات الأجنبيَّة والمعاهد اليابانيَّة الأخرى من 1963 - 1978، وتخرج عليه المئات من اليابانيين، وراجعه كبار الأساتذة واستفادوا منه، وأنعم عليه إمبراطور اليابان السَّابق بوسام رفيع تقديرًا لخدماته في حقل الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، وكان يجلس في السبعينيات في مسجد "طوكيو" بعد عصر كلِّ يومِ أحدٍ، ومعه المرحوم "عبدالكريم سايتو" وكاتب هذه السطور؛ لاستقبال مَن يسأل عن الإسلام من اليابانيين.

- كما لا ننسى إمامَيِ المسجد المركزي في طوكيو "مفتاح الدين" و"عينان صفا" - تغمدهما الله برحمته - وكذلك السيد "كلكي" إمام مسجد "كوبي" - رحمه الله - وهم من التتار المهاجرين؛ حيث كانت لهم خدمات جليلة للجالية الإسلاميَّة.
- ونود أن نؤكد أنه في هذه المرحلة كان الدَّعم المادي الرَّئيس للنَّشاطات العامَّة التي يقوم بها المجلس الإسلامي المشترك - كان من الكويت الشَّقيق، وكان الواسطة في ذلك الأستاذ "عبدالله العقيل" والمرحوم "عبدالرحمن الدوسري"، حيث كانا يجمعان لنا التبرعات من أهل الخير، وعلى رأسهم المرحوم "عبدالرزاق الصالح المطوع القناعي"، والشيخ "عبدالله العلي المطوع" وغيرهم، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

الإسلام في اليابان (5)

الخمسينيات 1950 - 1960
- اجتمع المسلمون اليابانيون: "عمر ميتا"، "صادق إيمازومي"، "عبدالمنير واطانابا"، "عمر يوكيبا"، "عمر ياما أوكا"، "مصطفى كومورا"... إلخ، وشكَّلوا أول جمعية للمسلمين اليابانيين عام 1953.

- بدأت طلائع جماعة الدَّعوة والتبليغ تَرِدُ اليابان من باكستان، ما بين 1956 - 1960، فأول بعثة لهم كانت عام 1956 (بقي شبيرُ أحمد الوحيد مِن بينهم على قيد الحياة، وقابلته قبل بضعة شهور في رايوند بلاهور).

لقد زاروا اليابان أربع مرات، رافقتُهم في المرة الرابعة عام 1960، لقد أحيَوا المسلمين القدماء بروح الدعوة "عمر ميتا" و"مصطفى كومورا"، وأدخلوا جددًا في الإسلام "عبدالكريم سايتو" - رحمه الله - و"خالد كيبا" - متعه الله بالصحة - والدكتور "عمر كاواباتا"، و"زكريا ناكياما" و"علي موري"، و"أمين ياماموتو"، والأربعة الآخرون - رحمهم الله - من أكبر الدعاة إلى الله في "جزيرة شكوكو" رابع جزيرة في اليابان، وهم من جماعة "خالد كيبا"؛ كما أسلم على يد "صادق إيمازومي" كلٌّ من "رمضان إيسوزاكي"، و"زبير سوزوكي"، و"صديق ناكياما" و"يوسف إيموري"، متَّعهم الله بوافر الصحَّة.

- وبرز في هذه الفترة رائد عملاق، وهو المرحوم "عبدالرشيد أرشد"، وهو مهندس باكستاني من التَّبليغ وحافظ للقرآن الكريم، وداعية من الطراز الأوَّل، زار اليابان في بعثة تدريبيَّة على حساب الحكومة اليابانيَّة عام 1959، والتحق بالبعثة التَّبليغيَّة الثالثة، وأسلم على يديه خيرة الناس ومنهم "خالد كيبا"، وهو الذي شجَّع كاتب هذه السطور على المجيء إلى اليابان؛ حيث تعرفت عليه بواسطة المرحوم السيد "علي أبو الحسن الندوي"، حينما قابلته في زيارة له لباكستان؛ حيث كنت أدرس الزراعة في لائلبور "فيصل آباد"، وبعد عودة عبدالرشيد من اليابان لقيته في "رايوند" قرب "لاهور" في نوفمبر 1959 في اجتماع التبليغ السنوي، فكان يشجعني على الذهاب إلى اليابان، ويقول: اليابان كالبستان الزاهر، مملوء بالفاكهة اليانعة، تدخله وتجمع الثمار بكل سهولة، وإن من بين الذين يسلمون مَنْ هم أشْبَه بالصَّحابة.

أشرفَ "عبدالرشيد أرشد" في أوائل الستينيات على مد الخطوط التليفونيَّة بين مكَّة والمدينة، وأخبَرْتُه وأنا في اليابان في عام 1961 أن "عمر ميتا" بدأ يترجم معاني القرآن الكريم، حيث كنت أسكن مع "عمر ميتا" في غرفة واحدة مدة سنة تقريبًا، فاتَّصل وهو مقيم بمكَّة المكرمة بالرابطة حينَ أوَّلِ تأسيسها، فاسْتَدْعَت "عمر ميتا" وبعدها "مصطفى كومورا"، وترجم ثلاثتهم سويًّا معاني القرآن الكريم لليابانيَّة، وتوفي "عبدالرشيد" بحادث سيارة بين المدينة ومكة عام 1964 أو أوائل 1965، وكان معه "مصطفى كومورا"، و"عمر ميتا" فنجاهما الله ليُتمَّا نشر ترجمة معاني القرآن الكريم.

- وممن أسلم في هذه الفترة عملاق ياباني آخر، ورائد كبير في مسيرة الدَّعوة الإسلاميَّة في اليابان، وهو المرحوم البروفسور "عبدالكريم سايتو"، وأسلم على يد أهل التَّبليغ، وعمل أستاذًا في جامعة "تاكشوكو" Takushoku، وأسلم على يديه عشرات من الشباب اليابانيين، أرسلناهم سويًّا في الستينيات للأزهر، وفي السبعينيات للمملكة العربيَّة السعوديَّة، وهم الآن يتولون تعليم اللغة العربيَّة في الجامعات اليابانيَّة، والعمل في كبرى الشَّركات، ومنهم من يتولَّى إدارة جمعيَّة مسلمي اليابان الآن، مثل الأستاذ "خالد هيكوجي" Higuch رئيس الجمعيَّة، والأستاذ "أمين توكوماتسو"، والأستاذ "يحيى إيندو".