الجمعة، 21 يناير 2011

أبو بكر أفندي مبعوث الخلافة العثمانية إلى جنوب أفريقيا

خواطر (1)

 

زرت جنوب القارة الأفريقية أربع مرات ما بين 1978 -1982، في زيارتي الأولى مع الدكتور نعمان السامرائي مبعوثَينِ من سماحة المرحوم عبدالعزيز بن باز، حيث زرنا سيشل، وموريشيوس، وري يونيون، وجنوب أفريقيا، وزيمبابوي (كان اسمها حينئذ روديسيا الجنوبية)، وزامبيا، ومُنِعْنا من زيارة ملاوي؛ حيث كان رئيسها مسيحيًّا متعصبًا يمنع المسلمين - مهما كانت جنسيتهم - من زيارة البلد، كما مُنعنا من زيارة موزمبيق، برغم أن حاكمها كان شيوعيًّا، وجوازات سفرنا عراقية، وكان للعراق علاقات مع الاشتراكيين، وأخَّرونا في زامبيا في المطار أربع ساعات؛ رغم أن رئيسها كان اشتراكيًّا.

كانت أولى زياراتنا لجنوب أفريقيا، لمدينة جوهانسبرغ، وفي معهدها الإسلامي في ضواحي المدينة اطَّلعنا على كتاب مؤلَّف بلغة الأفريكان (هولندي مع أفريقي)، وبالخط العربي، من قِبَل شيخ اسمه "أبو بكر أفندي"، وهذا الكتاب يعتبر من كتب التراث النادرة من أفريكاني بالخط العربي.

لم يغب عن خاطري أبوبكر أفندي، وفي زيارة لي إلى جنيف، ومركزها الإسلامي الذي أسَّسه المرحوم د. سعيد رمضان، قابلت مسؤولَ المركز، وكان تركيًّا، ويحمل شهادة الدكتوراه (وقد توفِّي لاحقًا)، أخبرني هذا المدير أن باحثًا هولنديًّا ترجم كتاب "أبو بكر أفندي" إلى الإنجليزية، فما كان مني إلا أن كتبت للدكتور قاسم السامرائي - الباحث في مدينة ليدن بهولندا - فتكرَّم وأرسل لي نسخة من الكتاب، من المقدمة المطولة للكتاب الملاحظات التالية:
1- حقَّق المؤلف مصدر الكتاب العربي، فإذا هو كتاب فقهي على مذهب الإمام أبي حنيفة، رغم أن "أبو بكر أفندي" شافعيٌّ، وأهل "كيب تاون" الذين أرسل إليهم كانوا – ولايزالون - على المذهب الشافعي.
2- أبو بكر أفندي عالم كردي، من سهول شهرزور في شمال العراق، وهي ممتدة من السليمانية إلى أربيل.
3- حدثت مجاعة في المنطقة قبل مائة وعشرين سنة تقريبًا، فذهب "أبو بكر أفندي" إلى اسطنبول؛ طلبًا للمساعدة.
4- مسلمو "كيب تاون" في أقصى جنوب أفريقيا أصولهم من أندونيسيا وماليزيا، جلبهم الهولنديون قبل 300 سنة منفيين، وأميرهم الشيخ يوسف، وكانوا مزارعين وعمالاً؛ لتطوير المدينة التي كانت قرية.
5- منع الهولنديون مسلمي كيب تاون من بناء مسجد لهم طيلة حكمهم.
6- في أواخر القرن التاسعَ عشرَ جاء الإنجليز، وشنُّوا حملة للاستيلاء على جنوب أفريقيا، وفاوضوا مسلمي "كيب تاون" على أنهم إذا تعاونوا معهم، فسيسمحون لهم ببناء مسجد.
7- حارب المسلمون مع الإنجليز، وانتصروا، وسُمح لهم ببناء أول مسجد هناك، والذي لا يزال يحمل نفس الاسم حتى الآن، وأخذتُ صورة عنده حينما زرت كيب تاون.
8- طلب مسلمو كيب تاون من المعتمد البريطاني أن يستدعي لهم عالمًا شافعيَّ المذهب، وهذا بدوره كتب لرئيس وزراء بريطانيا، الذي طلب من الصدر الأعظم العثماني (رئيس الوزراء) أن يبتعث عالمًا لجنوب أفريقيا يكون شافعيًّا.
9- صادف ذلك وصول "أبو بكر أفندي" الكردي (الأكراد شافعيو المذهب، والأتراك أحناف)، فعرض عليه السفر إلى جنوب أفريقيا، فوافق.
10- الأمر يحتاج إلى تفصيل، وأُلفت هذه التفاصيل بكتب، وهذا ما ذكره المؤلف الهولندي.
11- وكان مما ذكره الهولندي المترجم: أن شقيق "أبو بكر أفندي" كان قنصلًا فخريًّا للسلطان عبدالحميد في سنغافورة، ومن أغرب ما لاحظت أن عبدالرشيد إبراهيم - المسلم الروسي، الذي زار اليابان والصين وكوريا وسنغافورة - ذكر في كتابه "عالم إسلام"، الذي ترجمتُه للعربية (خرج من المطبعة)، ذكر أن قنصلًا فخريًّا سابقًا في سنغافورة كان محبوبًا من قِبل الأهالي على عكس الحالي، ولم يكن يعلم أن هذا القنصل الفخري المحبوب كان شقيقَ "أبو بكر أفندي".

هذا ما حدث لمسلمي كيب تاون، وكان للعثمانيين الدور البارز في نشر الإسلام، وبثّ روح التعاون بين جميع المسلمين في كل أصقاع الأرض، وفي ذلك الزمان، فلابد من أن تنهض الأمة الإسلامية، وتتعاون فيما بينها؛ لتسدَّ الفراغ الذي أحدثه تصدُّع الخلافة،، والله الموفق.

الشيخ ابن باز رحمه الله في جزيرة نيوكالدونيا

"نيوكالدونيا" جزيرة نائية قريبة من أستراليا، خاضعة للحكم الفرنسي، كي تصل إليها تحتاج إلى أكثر من 27 ساعة طيران إذا كنت ستقلع من جدة.

لما دخل الفرنسيون الجزائر هجروا إليها طائفة كبيرة من الجزائريين المسلمين الذين جاهدوهم وقاتلوهم.

ولذلك لا يزال بها إلى اليوم جالية كبيرة جزائرية لا يعرفون عن دينهم ولغتهم إلا القليل.

قليل من سمع بهذه الجزيرة والأقل ممن سمع بها يعلم أن بها هذه الجالية الكبيرة من المهاجرين الجزائريين الذين لا يقل عددهم عن 20000 نسمة.

ولذلك ليس من الغريب أن بعض المسؤولين الجزائريين لم يسمعوا بهذه الجزيرة حتى أوقفهم على أخبارها بعض الدعاة الرحالة ممن زارها أو سمع بها كالسيد علي الكتاني وصديق التاوتي وصالح السامرائي..

والعجب: أن الشيخ ابن باز رحمه الله كان أكثر ثقافة من المسؤولين الجزائريين فسمع بهذه الجزيرة وبأحوال أهلها المسلمين فأوفد إليهم داعية ليعلمهم أمور دينهم.

قال الدكتور صالح مهدي السامرائي وهو يصف رحلته إليهم ويسجل ملاحظاته على هذه الجزيرة وقاطنيها: "كان يتردد عليهم شاب تونسي مبعوث من الشيخ ابن باز رحمه الله، فاستعاد بعض هويتهم الإسلامية". اهـ.

وقريب من هذا - والشيء بالشيء يذكر- أن الشيخ ابن باز كان أوفد بعض الدعاة سنة 75م – ومنهم الشيخ الأرناؤوط- إلى البوسنة والهرسك ليعلموا أهلها أمور دينهم قبل أن يسمع الناس بشيء اسمه البوسنة والهرسك.

فرحم الله الشيخ ابن باز، وأجزل مثوبته، وجزاه خيرا عن أمة الإسلام وعن المسلمين؛ فبحق لقد كان أمة في رجل.

أول ياباني أسلم عام 1891 على يد أول مسلم إنجليزي

عبدالحليم أفندي"،" أوسوتارا نودا"، مراسل جريدة بيجي شيمبون التي تصدر في طوكيو، إنه شاب بين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين من العمر.

فقد كتبت الصحف قبل فترة أن الياباني نودا أسلم، وجرى ختانه، وسمي بعبدالحليم، وفي التحقيق الذي أجريناه عرفنا أن عبدالحليم أفندي دخل الإسلام نتيجة مناظرة، والذي أجرى المناظرة معه هو رئيس المسلمين في ليفربول السيد عبدالله كيليام أفندي، فبينما كان عبدالله كيليام أفندي في إسطنبول، تباحث مع عبدالحليم أفندي حول موافقة الدين الإسلامي للعقل والمنطق، وكان كلامه باللغة الإنجليزية، وسرد له البراهين العقلية، فوجدها عبدالحليم مقبولة، فهداه الله إلى الصراط المستقيم.

هذا الخبر مأخوذ من جريدة "ترجمان الحقيقة"، نسخة 2 حزيزان 1891م، وقد كان الاهتداء يوم 29 مارس (أيار) 1891م يوم الجمعة في المدرسة الحربية في بانغالتي بإسطنبول.

مع الداعية الشيخ نعمة الله (5)

إسلام الشباب الكوريين الأربعة: أبو بكر، عمر، عثمان، علي



بعد أن أدخل الداعية الشيخ نعمة الله عشرين ألف مصحف إلى الصين من شرقها إلى غربها وفي عز الشيوعية في البلد وبموافقة الحكومة الصينية، حيث بقى في إسلام آباد يحاول أقناع السفارة الصينية وقد أفلح في ذلك في عام 1981.

وخلال أقامته في الصين سمع أن ثالث مسجد في كوريا يتم افتتاحه في مدينة كوانجو على بعد ثلاث ساعات بالسيارة عن العاصمة سيئول، قام حيئذ بالضغط على لجام فرسه وتوجه في الحال إلى كوريا التي سبق أن زارها عام 1987 قادماً من أول زيارة لليابان مع الداعية الباكستاني الكبير المرحوم سيد جميل.

ووصل نعمة الله سيئول ونزل في أحد فنادقها الرئيسية مع الوفود القادمة من جميع أنحاء العالم الإسلامي لحضور حفلة إفتتاح هذا المسجد "كوانجو" وبالمناسبة وجه أحد كبار الضيوف سؤالاً إلى نعمة الله: أنت من دعاك؟ وهنا أجابه الشيخ الداعية بعزة المسلم: أنا دعوت كل هؤلاء الوفود.

في أول يوم والوفود لا تزال في العاصمة على أن تتوجه في اليوم التالي لافتتاح المسجد، قام نعمة الله بالأذان في مسجد سيئول الرئيسي وهو على قمة مرتفعه في قلب العاصمة وبعد الصلاة جلس عند بوابة المسجد يفكر والدموع تنهمر على وجهه ويخاطب نفسه: ((لو جاء صحابي واحد إلى هذه البلاد لتوجه إلى ملك البلد ودعاه للإسلام وأدخله فيه وبذا يدعو كل البلد لاعتناق هذا الدين ولكن بتقصيرنا نحن المسلمين حرم هؤلاء من الإسلام. على أية حال أنا جئت على خطى الصحابة الكرام - رضي الله عنهم - فعسى الله أن يكتب على يدي شيئًا)).

يقول الشيخ نعمة الله:
((وأنا في هذه الحال أقبل لزيارة المسجد أربعة شباب كوريين في عمر الزهور يبدو عليهم أنهم في عمر طلبة الثانوية. مسحت دموعي في الحال وأشرت إليهم أن أقبلوا نحوي. تقدموا مني واشرت لهم بأصبعي على شفتي: قولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. ما فهموا قصدي أولاً وكررت فعرفوا أني أريد منهم أن يقولوا الكلمة الطيبة فرددوها معي ثلاث مرات وقلت لهم: "present (هدية) اسم إسلامي: أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أعطيتهم أسمائهم واحداً بعد الآخر))

توجد قناعة عند الشيخ نعمة الله أن من يردد كلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يصبح مسلماً فهمها أو لم يفهمها، يسمعها فتنور أذنه وعقله وقلبه وتذهب عنه كل مشاكل الدنيا ويسعد في حياته وأخراه.

ثم أشار لهم أن يدخلوا المسجد ويلاقوا المسلمين هناك.

وفي اليوم الثاني والوفود تستعد للخروج لافتتاح المسجد وعلى مائدة أفطار الصباح في الفندق جلس نعمة الله على طاولة مستديرة مع بضعة أعضاء من الوفود وحدثهم أنه لقي أربع شباب وأنطقهم كلمة التوحيد وأعطاهم أسماء، أبو بكر، عمر، عثمان، علي، وهنا بادره أحد الجالسين: ما هذا الكلام؟ أحييت الخلفاء الراشدين؟ أما أنت في الحقيقة صرت مجنوناً، تألم الشيخ من كلامهم وكتم الألم.

رجعت الوفود إلى بلادها بعد ثلاثة أيام وبقي نعمة الله شهر ونصف في كوريا يستقبل الزائرين للمسجد رجالاً ونساءاً ويدخل بطرقته في الإسلام خمسين، ستين سبعين يوميا ويعطيهم أسماء (أحمد، محمد، حسين، عائشة، فاطمة.. الخ).

كان الشيخ نعمة الله يقيم في المدينة المنورة، يعض الأتراك الزائرين للحرم المدني المنور، وفي أحد الأيام وبعد أحدى عشر سنة من زيارته الأخيرة لكوريا وبعد أن أدى صلاة في المسجد النبوي جاءه شاب عليه ملامح سكان الشرق الأقصى وسلم عليه قائلاً: أبي أستاذي نعمة الله، أنا ابنك عمر، من أي البلاد يا عمر؟ سأل الشيخ نعمة الله، وأجاب الشاب: أنا من كوريا أسلمت على يديك قبل أحدى عشر سنة.. سأله الشيخ: قل لي كيف أسلمت؟ كل يوم يسلم على يدي خمسين، ستين أو سبعين.. قال عمر: أول يوم توجهنا للمسجد في سيئول ورأيناك عن بعد تبكي وأشرت لنا أن نأتي نحوك مسحت دموعك، وكنت تؤشر لنا قولوا قولوا لا أله إلا الله، لا نفهم قولوا ولا غيرها ولكن فهمنا أنك تريد منا أن نردد معك هذه الكلمات فرددناها وأسميتنا: أبو بكر، عمر، عثمان، علي..

أنا عمر من بينهم.
كيف جئت يا عمر إلى المدينة؟
بعد أن رددنا كلمة التوحيد دخلنا مسجد سيئول، أكرمنا المسلمون، بدأت أتعلم اللغة العربية ثم جاء وفد من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة يطلبون طلبة للدراسة فيها فقال لهم المسؤولون المسلمون الكوريون إن عمر يصلح لكم، والآن أنا في السنة الرابعة، كلية الدعوة.

قال الشيخ نعمة الله: ما شاء الله، ماشاء الله، أنت والحمد لله نجحت فما هو وضع إخوانك أبو بكر، عثمان، علي.

قال عمر: كلهم والحمد الله محافظون على إسلامهم وصلاتهم وأنا أعمل في الدعوة مثلك.

وأجرت جريدة المدينة مقابلة مع الشيخ نعمة الله، وصور مراسلها الشيخ وهو يحتضن عمر ولعل هذه الوثيقة الوحيدة التي يحتفظ بها نعمة الله عن الآلاف من نشاطاته. وحرصت أنا كاتب هذه السطور أن أجملها وأرتبها وأرفقها مع هذا التقرير لأثبت للقاريء الكريم أن قصص نعمة الله في الدعوة حقيقية لا يعتريها ولو بصيص من الشك، فهو مدرسة أستفدت منها ومن مصاحبتي له للخمسة عشر سنة الماضية في الدعوة، أراه أماماً في الدعوة وصاحب مدرسة متميزة، وطريقته هي طريقة الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - هي مبادرة الناس بدعوتهم، صحيح أن العرب كانوا يفهمون المعنى ولكن الأتراك الأوائل والفرس والأفغان والأمازيغ والأندونيسون والأفارقة ماذا كانوا يفهمون من الإسلام؟ تخيلات وعواطف مخلصة.

تزوج الصحابة وتابعيهم وأبناؤهم من الفارسيات والأفغانيات والتركستانيات والقفقاسيات والأمازيغيات يعرفون لغة أباءهم العربية ولغة قوم أمهاتهم فأفهموا هذه الأقوام حقيقة الإسلام وبرز منهم علماء رواد مثل أبو حنيفة والبخاري والترمذي وغيرهم.

المهم أخذ نعمة الله عمر إلى حفلة زواج في أحد بساتين النخيل في المدينة المنورة وقدم نعمة الله عمر إلى المحتفلين وشرح لهم أوضاع المسلمين في كوريا واليابان.

 ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [إبراهيم: 24- 25].

مع الداعية الشيخ نعمة الله (4)

" آخر سكران"[1]



زار الشيخ نعمة الله أوربا أربع مرات، ومن البلدان التي زارها ألمانيا، وكان يعظ في مساجدها، ولا يكتفي بذلك؛ بل يزور الخمّارات، حيث يؤمُّها الكثير من الأتراك والعرب، والناطقين باللغة الأوردية من شبه القارة الهندية الباكستانية، والشيخ يجيد اللغات الثلاث: التركية والعربية والأوردية، ومفاتيح لغات العالم، وقصتنا الآن تدور في مدينة برلين، ومع الأتراك في حدود عام 1979.

وقف الشيخ نعمة الله يتحدث مع الأتراك في أحد مساجدهم لمدة ساعتين أو ثلاث، ووقف بعدها متسائلًا: أين غيركم؟ أجابوه: لماذا تسأل؟ تكلَّم، نحن نستمع لك لساعات، قال الشيخ: أين غيركم لأذهب إليهم؟ أجابوه: في الخمارات، قال الشيخ: سأذهب إليهم، أرسلوا معي دليلاً، وفعلاً ذهب الشيخ نعمة الله مع الدليل إلى خمارة، روّادها أربعون تركيًّا، وقف الشيخ وسْطهم وحيَّاهم قائلاً: السلام عليكم أيها المجاهدون، فبدأ الواحد ينظر إلى الآخر: أين المجاهدون؟!

قال الشيخ: أنتم مجاهدون؛ لثلاثة اعتبارات:
الاعتبار الأول: تحرُّككم ومشيكم، ورواحكم وغدوُّكم في ألمانيا بأسمائكم الإسلامية: أحمد، خليل، إبراهيم.. الخ؛ كل هذا يذكِّر الناس بالإسلام.
الاعتبار الثاني: جئتم لألمانيا لكسب الرزق الحلال لآبائكم وأبنائكم؛ هذا أيضًا جهاد.
الاعتبار الثالث: لو نظرنا إلى أسلافكم من العثمانيين كانوا مجاهدين؛ فأنتم أحفاد المجاهدين.

ثم أردف الشيخ قائلا: إني قادم من المدينة المنورة وقد أتيت لكم ببشارة من هناك وهي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه من "يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة" وإن الله سبحانه وتعالى يؤجرني بسببكم. وهنا ردد الجميع ((لا إله إلا الله محمد رسول الله)).

وإني أعظ الناس منذ سنين طويله في المساجد وكان المفروض أن نزوركم ونبلغكم دعوة الأنبياء الذين كانوا يأتون الناس في نواديهم ويدعونهم لدين الحق.

بدأ الجميع بالبكاء والنحيب وهم يرددون: تكلم تكلم ياشيخ، إجلس، اللبن ليس حرام، يقول الشيخ نعمة الله: الجلوس معناه مشاركتهم في الحرام. على أية حال أنتم الآن من أهل الجنة وسأذهب لآخرين أتحدث إليهم.

تكلم تكلم ياشيخ
إلى متى أتكلم، أنتم الآن من أهل جنة الآخرة وإني أدعوكم الآن إلى جنة الدنيا (المسجد)، ثم تساءل: ألم تشاركوا أنتم في التبرع لبناء المسجد المجاور لكم؟  - يقول الشيخ: إن لدي تجربة أن الذين يشربون الخمر هم أكثر سخاءاً في التبرع للمساجد لأنهم يرجون المغفرة من الله-.

ثم قالوا بصوت واحد:
ياشيخ نحن تبرعنا، نحن تبرعنا، ولكن ياشيخ كيف نذهب إلى المسجد ومنا من هو جنب؟

أجاب الشيخ:
الجنب يغتسل في مكان الأغتسال بالمسجد، نعم الماء بارد ولكن كما قلت إنكم مجاهدون والأغتسال بالماء البارد في الشتاء جهاد.
والسكران؟
الثقيل في السكر يحمله إثنان خفيفان.

وبدأ الواحد يشجع الآخر للذهاب إلى المسجد، وهم يرددون:
يا أخوان لنذهب إلى المسجد ألسنا مسلمين؟

وبدأ الشيخ يقود الأربعين رجلاً إلى المسجد منهم من دخل المسجد ومنهم جلس خارجه ينتظر والشيخ يقرأ ويترجم:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر: 53].


وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا.

ثم قال بعضهم:
ياشيخ أقرباؤنا في خمارات أخرى، تعال ياشيخ نذهب إليهم...

ولقد حكى الشيخ هذه القصة لأحد العلماء الأتراك المجاورين في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
إن لنا أبناء عمومة سمعنا أنهم يرتادون الخمارات فذهبنا إليهم ووبخناهم إلا أنهم غضبوا وتشاجرنا وكادوا يضربوننا وانهزمنا.

ومرت الأعوام وتقادمت الأيام وبعد ثلاث سنوات كان الشيخ نعمة الله جالساً في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا  برجل تركي بعمامة وجبة ولحية يسلم عليه قائلاً:
هل تعرفني ياشيخ نعمة الله؟

أجاب الشيخ: كيف لا أعرفك أنا زرت أكثر مدن تركيا وقراها وربما أنت أحد الأئمة أو المفتين في أحد تلك المدن التي زرتها..

قال الرجل:
أنا أعرفك جيداً وأنت لو تبقى ألف سنة لا تعرفني، أنا آخر سكران في برلين، خرجت من الخماره يحملني إثنان وتوجهنا صوب المسجد، وكنت أنت تشفق علي، فمسحت رأسي وقلت (أنت غالي عند الله يقبلك في بيته)،، كنت ثملاً ولكني عقلت كلامك،، أنتظرت خارج المسجد إلى أن صحوت، إغتسلت وصليت وتبت إلى الله، ومنذ ذلك الحين وأنا أداوم على الصلاة والعبادات وزوجتي تحجبت وجئنا إلى العمرة ووفقنا للقاءك والحمد لله...

إن هذه ليست هي المرة الأولى والأخيرة التي يرتاد فيها الشيخ نعمة الله الخمارات ويخرج منها الناس إلى المساجد ويتوبون توبه نصوحاً، منهم الترك والعرب والناطقين بالأوردية ولقد صار التائبون دعاة ورؤساء جمعيات لبناء المساجد، وإني صالح السامرائي رأيت في اسطنبول وأنقره أحد التائبين في خمارة برلين الآنفة الذكر.

كما كان الشيخ نعمة الله يرتاد موائد الميسر فأخرج روادها إلى المساجد. يقول الشيخ نعمة الله: كنت دائماً أردد قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 43] ، لكي لا يمتد بي الشعور بأني أنا المنقذ، إنما هو الله سبحانه وتعالى الهادي.

ومن الطرائف أنه حينما كان يخاطب رواد موائد الميسر كان يقول لهم: فيكم صفة الأنبياء والصحابة والأولياء لأنكم مستيقظون حتى ساعة متأخرة من الليل، وهنا يترك الجميع أوراق الميسر ويصاحب الكثير منهم الشيخ إلى المسجد باكين نادمين، ويردد بعضهم إن أبي علمني قراءة جزء عمّ جميعه..

ــــــــــــــــــــــ
[1] داعية مشهور في اليابان مع سعادة الأستاذ الدكتور صالح السامرائي، منذ حوالي 14 سنة، وزار 50 بلدًا، واهتدى على يديه الآلاف.

مع الداعية الشيخ نعمة الله (3)

روضة البريطانية



على أحد الأرصفة في أحد محطات القطارات في طوكيو وعلى بعد ما يقارب المائة متر رأى الشيخ نعمة الله شبح امرأة متلفعة بملابس بيضاء. اقترب منها فإذا بها ذات ملامح غير يابانية ففاجأها متسائلاً Do you speak English (هل تتحدثين الانجليزية؟)  فأجابت yes I am an English woman (نعم أنا امرأة بريطانية) وهنا بدأ يعرض بضاعته: one gol all problems finished انجليزي مع كلمة عربي gol أي قول، كلمة، "جملة من يقولها تذهب عنه جميع المشاكل".. كلمات إستوحاها الشيخ نعمة الله من قول الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - للعرب: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا..

رددتها الامرأة البريطانية وأعقب ذلك present Islamic name Rawdha أهديك إسماً إسلامياً "روضة"، فرحت، وبعدها سلمها نشرة تعريفية للمركز الإسلامي باليابانية والانجليزية وتركها.

بعد ثلاثة أيام إتصلت روضة بالمركز الإٍسلامي وقالت رأيت شيخاً ظننته مجنون وطلب مني قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وأهدى لي اسمًا إسلاميًا، ثم قالت: بصراحة كنت ولمدة طويلة أعاني من مشاكل كثيرة إلا أني بعد أن رددت هذه الكلمات ذهبت عني جميع هذه المشاكل، أريد أن أرى هذا الشيخ. أخذنا تليفونها واتصلنا بالشيخ نعمة الله الذي كان يذرع جنوب اليابان داعياً إلى الله وقلنا "يا شيخ إن امرأة تريد لقاءك"، واتفقنا على أن يحضر إلى طوكيو بعد ثلاثة أيام وأخبرنا المرأة بذلك.

جاءت الانجليزية متلفعة بملابس بيضاء، من رأسها إلى أخمص قدميها ومعها إمرأة يابانية بنفس الملابس الساترة.

حضر الشيخ وتم تجديد التعارف وأسلمت زميلتها اليابانية..

توطدت العلاقات بين المركز و "روضة" وتبين أنها تجيد سبع لغات يابانية، فرنسية، إسبانية وبرتغالية.. الخ، وتعمل مترجمة وتعيش مع والديها اللذان أسلما على يد الشيخ أيضًا.. وأخيراً زوجها الشيخ نعمة الله من داعية باكستاني.

حافظت روضة على علاقاتها مع الجالية الإسلامية وكانت تخرج مع المسلمين انطلاقا من مختلف المساجد تدعو معهم في سكون الليل، وبعد أن بدأ الكثير من سكان طوكيو يعودون لبيوتهم (اليابانيون شرقيون وطوكيو مضاءة شوارعها ومزدحمة إلى ما بعد منتصف الليل) ومنهم من كان يخرج من الحانات.

في أحدى المرات وفي إحدى مناطق طوكيو المهمة Ikebukuro، خرجت روضة مع مجموعة من الشباب الباكستانيين المسلم يدعون المشاة العائدين إلى بيوتهم، مخترقين حديقة مجاورة. إلتقت روضة بأحدى المغنيات العائدات وهمست بأذنها: عندي أغنية من يرددها ويسمعها تذهب عنه كل المشاكل. بدأت روضة تردد بهدوء هذه الأغنية، حفظتها المغنية اليابانية فبدأت تنادي بصوت مرتفع للمارين في الحديقة "يا ناس أعلمكم أغنية جديدة من يرددها تذهب عنه كل المشاكل.. بدأت مجاميع من الناس تردد معها وبصوت عالي "لا إله إلا الله محمد رسول الله"..

وهكذا اشاع نعمة الله الدعوة المحمدية إلى "لا إله إلا الله" في كل الحالات، يعلمها الناس ويطلب من كل مسلم أن يدعو إلى "لا إله إلا الله" فهي كلمة نور تدخل الأذن وتنزل إلى القلب فتنوره، حتى ولو لم يفهم معناها، ولنا معه مئات بل آلاف التجارب التي ثبتت فعالية هذه الطريقة الرئيسية في الدعوة إلى الله..

مع الداعية الشيخ نعمة الله (2)

دعوة الشيخ نعمة الله



صاحبت الشيخ نعمة الله في ميدان الدعوة في اليابان وغيرها لمدة خمسة عشر سنة واستوعبت طريقته في الدعوة إلى الله وتوصلت إلى:
من بين جميع الدعوات الإصلاحية الدينية في القرنين الماضيين إلى يومنا هذا، فاني أرى دعوة الشيخ نعمة الله هي من أقواها فعالية وأسرعها في النتائج، وأيدت كلماته التي يرددها دائماً وإنه لو قام كل مسلم بواجب الدعوة إلى الله بأي طريقة كانت فانه خلال سنتين سيسود الإسلام جميع بقاع الأرض، الطريقة بسيطة وكل مسلم يستطيع أن يقوم بها، ألم يقل الرسول - صلى الله عليه وسلم -: بلغوا عني ولو آية؟

إن أساس فلسفة الشيخ في الدعوة هو أن الرسول - صلى عليه وسلم - كان يقول للعرب: (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)، لقد بسط الشيخ هذه الكلمة المباركة حيث يقول للناس: كلمتان من يقولهما تذهب عنه جميع المشاكل التي يعاني منها، وينجح في الحياة. ويقول كذلك: إنه من يردد هذه الكلمة: إن كان مسلماً يتجدد إيمانه، ومن كان غير مسلم فانه يدخل الإسلام، حتى وإن لم يفهم معناها، إن الكلمة تنور أذنه وفمه وقلبه. ألا تنزل السكينة والرحمة حين يسمعها السامع وينطقها؟

طور الشيخ وطورنا هذه الطريقة حيث بدأ يقول باللغة الانكليزية (one gol all problems finished)، انجليزي على عربي، (gol) بالعربي (قول)، ولقد أستبدلها بكلمة يابانية (shi awasei no kutuba) فيفهم السامع من هذه الجمل أنه يريد منه أن يردد: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.

في اعتقاد الشيخ أن من يردد هذه الكلمة فقد دخل الإسلام،، وبعدها يقول له (present Islam Name) نقدم لك هدية أسم إسلامي (أحمد، محمد، فاطمة، عائشة).

من جانبنا طورنا هذه الطريقة، فمثلاً في اجتماع لنا في اليابان حضره أكثر من مئة أستاذ وأستاذة، وقف محدثنا الأستاذ علي الزعبي يتحدث عن الإسلام بيابانية طليقة ويجيب على أسئلة الحضور لمدة ساعتين، إلى هنا كان هذا عملنا في مركزنا الإسلامي في السنين الماضية كما إن هذا هو العمل نفسه تقوم به مراكز ودعاة الدنيا، قد يسلم البعض بعد المحاضرة في الحال أو يسلم بعضهم بعد أسبوع، بعد سنة أو لا يسلم احد منهم نهائياً إلى أن يموت، حيث أن انطباع الأمة الآن أننا يجب أن لا نتسرع في دعوة الناس إلى الإسلام ولا نجرح شعورهم ونصبر عليهم ولو لسنين، ونعطيهم المزيد من الكتب ومزيد من القدوة الحسنة بل لا نقوم بالدعوة إلا أن نصل درجة الصحابة في الإيمان والتقوى. إلا أنه مما تعلمناه من الشيخ نعمة الله لقد قلنا للحضور أنه من يؤمن بوحدانية الله وبنبوة محمد بقلبه ويقولها بلسانه فانه يصبح مسلماً. وهنا أعلن جميع اليابانيين واليابانيات الحضور: كلنا مستعدون لهذا الأمر قام الشيخ نعمة الله يردد بنغم مؤثر "لا إله إلا الله محمد رسول الله" والجميع يردد معه بهذه الأنشودة. فكر الشيخ وقال لو أن الحضور 2 أو 5 أو 10، فإننا  سنعطي أسماً خاصًا لكل رجل وامرأة، إلا أن الحضور أكثر من مئة. شغل الشيخ مخه وقال (all men Muhammad،  all women Fatimah) كل الرجال اسمهم محمد، وكل النساء أسمهن فاطمة، صفق الجميع وأعربوا عن سرورهم.

لقد أسميت طريقة الشيخ نعمة الله "طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الدعوة" ولخصتها بكلمتين "الاهتمام والشجاعة"، بالنسبة للاهتمام؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان حريصاً بكل لحظة أن يدعو من تصل إليه يده إلى الإسلام، إن هذا الأمر يحتاج إلى إهتمام كما أنه يحتاج إلى شجاعة وقوة أعصاب، حيث أن العرب في أول أمرهم كانوا يردون دعوة الرسول ويتهكمون به، ورغم أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتألم، إلا أنه كان يتحمل الإعراض عن دعوته وأصر على الدعوة إلا أن أحرز النجاح. إن الشيخ نعمة الله لا يوفر لحظة واحدة في أن يدعو أي إنسان سواء كان رئيسا، أو مرؤوساً حاكماً، أو محكوماً تاجراً أو مشترياً، رجلاً أو امرأة، وإن نسبة الاستجابة له 99% وحين يعرض عنه أي إنسان يقول "أجر شهيد".

إن جذور هذه الطريقة في السيرة النبوية معروفة لدى الكثير، ولعلنا نتذكر عيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم- للطفل اليهودي المريض، وعند زيارته له بدأ يحتضر، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: قل لا إله إلا الله محمد رسول الله، فما كان من والده إلا أن قال للطفل: أطع أبا القاسم، فنطق الطفل قبل وفاته بالشهادتين. وتحضرنا كذلك دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي الجليل وشهيد أحد، عثمان بن مظعون رضي الله عنه، يقول عثمان كلما رآني الرسول يقول لي مثلك لا تغيب عنه حقيقة الإسلام، فأسلمت مجاملة. ودخلت الحرم المكي في أحد الأيام ورأيت الرسول - صلى الله عليه وسلم - جالساً بجانب الكعبة ودعاني وقال: أعلمك آية نزلت الآن ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90] فأدركت أن الإسلام دين حق وجددت إيماني.

وفي أحد زياراتنا أنا والشيخ نعمة الله لمدينة الرياض، حدثنا أحد المشايخ قائلاً: أني أتفق معكم بطريقة الدعوة إلى "لا إله إلا الله" وذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم دعا أحد العرب إلى قول "لا إله إلا الله محمد رسول الله" فقال هذا العربي هذه الكلمات هي أكره شيء عندي فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم - قلها ولو كاره، فلما قالها نور الله قلبه وآمن بالإسلام.

إنني لخصت الإهتمام هو أن يكون لك صديق غير مسلم وأساتذة غير مسلمين وطلبة غير مسلمين وعمال غير مسلمين وزملاء غير مسلمين وزبائن غير مسلمين ومتعاملين معك غير مسلمين، فحينما يكون عندك الإهتمام وتستطيع أن تبلغ الدعوة ستوصل رسالة الإسلام إلى كل هؤلاء.. وهذا الأمر يحتاج إلى شجاعة. بالنسبة لي فقد عشت خمس سنوات في سكن للطلبة في اليابان في الستينات من القرن الماضي. كان جاري طالب فلبيني، أبوه ضابط في رئاسة الجمهورية الفلبينية، كل يوم يقول لي هذا الزميل الفلبيني إن أصولي إسلامية وأسم عائلتي يدل على أن أجدادي كانوا مسلمين، ورغم أني منذ صباي مواظب على الصلاة وفاهم لأحكام الدين الإسلامي وطالب في الدراسات العليا في الجامعة، ومع هذا لم أدعه يوماً إلى الإسلام، وإني أشعر إلى يومنا هذا بالحزن والأسى على ذلك. أساتذتي اليابانيون كانوا يقولون "نحن لا نحب التشدد إلا أن تشدد السامرائي نحبه"، ما قدمت لهم يوماً رسالة الإسلام رغم أنهم كانوا يشاهدونني أصلي في المعمل وفي الحقل حيث إني كنت في كلية الزراعة في جامعة طوكيو. زميلي المسيحي العراقي في الجامعة يقول لي دائماً "علمني الإسلام" فأقول له: أسكت، ظناً مني أنه يستهزأ بي.

يقول الشيخ نعمة الله، إن الأمة جهلت المبادرة في دعوة الآخرين للإسلام، ومن تجربتي معه، فان طريقته كما ذكرنا أعلاه هي الأكثر فعالية، ففي زياراتنا المتتالية لماليزيا أهتدى الكثير من الصينين والمسيحين والهندوك إلى الإسلام بدعوة الشيخ نعمة الله، لدرجة أن الكثير منهم كان يعتب على المسلمين لماذا لم ندعوهم إلى الإسلام إن كان الدخول في الإسلام سهلاً بهذه الطريقة، ولقد حضرنا اجتماعًا في لجماعة  (out reach) أحد فروع جمعية ABIN الشبابية في ماليزيا  والمتخصصة في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام، وأوضحنا لهم كيف استطعنا خلال اقامتنا شهرين في ماليزيا أن نهدي إلى الإسلام المئات، فقالوا أنكم عملتم خلال الشهرين ما لم نعمله في سنين. وكانت نتيجة سماعهم لتجربتنا أن ازدادوا نشاطاً وأدخلوا الآلاف من غير المسلمين في الإسلام وهذا ما أخبرونا به خلال لقاء وفدهم بنا في اسطنبول بتاريخ 2 /6/ 2010 حيث قالوا أن الآلاف دحلوا في الإسلام من مختلف طبقات المجتمع، أساتذة ومسؤولين ومن عامة الناس.

وفي مقالاتي المتتالية عن الشيخ نعمة الله أمثلة تظهر فعالية الطريقة التي علمنا إياها الشيخ في الدعوة الإسلامية. إن الخير موجود في الأمة والدعاة إلى الله مليء الأرض، ولست بكلامي هذا منتقصاً من أحد والكل على خير، وهذه بضاعة نسوقها للأمة للاستفادة منها ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ﴾ [الأنعام: 90]..

﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ [هود: 88] وما توفيقي إلا بالله..